رحلة شيقة وطريفة مدتها 45 دقيقة في منطقة "إكيدي"

أحد, 03/01/2021 - 22:48

كنا أربعة ,جمعتنا الصدفة في سيارة هيلكس لمدة 45 دقيقة قبل أن نفترق الى يومنا هذا.

انطلقت الرحلة بعد صلاة المغرب من المذرذرة باتجاه تكنت..جمعنا القدر من غير ميعاد..

كنت أبحث عن سيارة تُقلني الى العاصمة نواكشوط ..لم أوفق في الحصول عليها رغم وقوفي على ناصية الشارع وتلويحي المستمر بيدي عند مخرج مدينة المذرذرة ,لكن أحدا لم يعرني أي اهتمام..يبدو أن السائقين تعودوا على الواقفين ـ مثلي ـ ممن يبحثون عن سيارة توصلهم الى وجهتهم التي قد تكون أحيانا 10 كيلو مترات أو أقل أو أكثر ,حتى ملَّ أصحاب السيارات من كثرة سماعهم لكلمة "أطْفكَـني الكَـدام امعاك" فلم يعودوا يكترثون أو يلقون بالا لأمثال هؤلاء.

وكان التعب قد بدأ يتسلل إلى نفسي حتى هممت بالعودة للمدينة والمبيت حتى الصباح ,خاصة أني قادم للتو من قرية "الدوشلية" حيث كنت في زيارة للولي الصالح محنض باب ولد امين ـ حفظه الله ـ وفي الطريق عائدا من عنده في سيارة 190 التي كنت قد استأجرتها ذهابا وعودة من وإلى المذرذرة ,غاصت بنا في الرمال المتحركة عدة مرات ,لكنني وزميلي السائق ـ وبعد جهد جهيد ـ استطعنا أن نخرجها بشيء من الحيلة ,وبمعية إلهية أنقذتنا من المبيت في متاهات صحراء "إكيدي" التي يتيه فيها القطا وواصلنا المسير حتى نزولي عنه عند مدخل مدينة المذرذرة ,وقد نال مني الارهاق وأخذ مني التعب مأخذا كبيرا.

انتظرت بعض الوقت..حانت صلاة المغرب ,فصليت صلاة ..الله عز وجل وحده أعلم بها..خالية بالتأكيد من الخشوع والطمأنينة المطلوبتين فيها ..وما كدت أسلم حتى انتصبت واقفا من جديد ,ألوح بيدي لكل ضوء قادم من الشرق ,وما هي الا لحظات حتى توقفت سيارة هيلكس حديثة "نيفو موديل" وكنت قد عزمت على الموافقة على أي مبلغ يطلبونه مني ,سواء كانت السيارة ستواصل رحلتها الى العاصمة أو كانت وجهتها مدينة "تكنت" فقط , فالامر عندي سيان..وقبل أن أسأل أو حتى أسلم ,فتحت الباب الخلفي وركبت ,لأتبين بعدها أنه لا يوجد في السيارة سوى السائق وبجانبه رجل كبير في السن, يُخيَّل إليك قبل أن تكلمه أنه لم يعد يفقه شيئا ,فقد بلغ من الكبر عتيا ,ووهن منه العظم واشتعل الرأس شيبا ,ومن خلال أضواء السيارات القادمة من الاتجاه المعاكس تستطيع قراءة كل تاريخه وماضيه من خلال الخطوط التي حفرها الزمن على وجهه ويديه ورسمها على جبينه وجفون عينيه ,ومن جلسته المتكورة..وفجأة توقفت السيارة وصعد شاب في بداية العشرينات من عمره..سلم علينا..سأل عن الاجرة..لحظتها تذكرت ..وسألت بدوري عن وجهة السيارة وعن الاجرة..فأجابني السائق بأن وجهته هي العاصمة ,بينما البقية ستنتهي رحلتهم في تكنت..

كانت تلك الايام مليئة بالمظاهرات والمسيرات والخطابات العنصرية وكان هذا هو حديث الساعة في طول البلاد وعرضها ..فسألني الشاب بعد أن علم أنني من سكان نواكشوط عما يدور في الساحة هذه الايام ,فأجبته بما أعلم من حالها ,وعن وجهة نظري في ضرورة تكاتف الجهود والعمل اولا على ضرورة بناء وحدة وطنية ,تقوم على رد المظالم والتمييز الايجابي للفئات التي وقع عليها الظلم ,وأنك لا يمكن أن تنجح في مطالبتك لشخص أو شريحة مظلومة تشعر بالغبن والتهميش كي تساندك في السعي لبناء أواصر الوحدة الوطنية المنشودة قبل أن ترفع الظلم عنها وقبل ان يحظى الجميع بالعدالة الاجتماعية المفقودة ,وعندها تستطيع أن تقضي على الكثير من مظاهر التطرف والخطابات العنصرية التي تفرق ولا توحد..وحين تهيأ الشاب للرد على ما قلت ,رفع الرجل المسن رأسه وقال : ((آن هاذ أنَمرايْ))

وعشت عمري كله مع "أسيادي" معززا مكرما ,فأنا من يتحكم في أمور الحيوان : لبنه ,ولحمه ,وسمنه ..الكبار يقدرونني والصغار يحترمونني احترامهم لآبائهم وأعمامهم..لا يزوجون بناتهم الا بمشورتي..ولا يتصرفون في مهورهن قبل أن آخذ منها ما أريد..كنت مكرما معززا أنا وجميع أفراد عائلتي ,في وقت كان "النصارى" يقتلون عبيدهم ويسومونهم سوء العذاب ,ثم أردف قائلا : نحن مجتمع واحد ,"اعظم ابلا مفصل" فما لنا سوى بعضنا ,ومَن يريد الآن أن يفرقنا فلن ينجح مهما كان ,ديننا واحد ولغتنا واحدة ,وعاداتنا وتقاليدنا وقيمنا وثقافتنا واحدة ,واختتم كلامه بالقول : نعم..."آن أنمراي ءلاه امحشمتني" ولو عاد بي الزمن الى الوراء ما أحببت غيرها وسأعيش ما بقي لي من عمر وأنا بلال "أنمراي" ولا أبغي بها بدلا...وانتوم ال ابغيتو ..آن نفهم الا ذَ..

في الحقيقة هالني الامر ..وأكبرت هذه الكلمات التي خرجت صادقة مدوية من فم "العجوز بلال" بل استصغرت نفسي أمام عظمته واعتزازه بنفسه وبدوره الذي لعبه في الماضي..

أما الشاب فما كاد بلال يفرغ من كلامه حتى التقط طرفه واسترسل في حديث شيق يُنبئ عن عقل راجح ورؤية مستقبلية تتسم بالمنطق والعقلانية......

تتواصل القصة إن شاء الله....

بقلم/ محمد محمود محمد الامين