قصة جنوح الفرقاطة الفرنسية "لا مديز" على السَّواحل الموريتانية(قصة شيقة)

اثنين, 24/05/2021 - 13:38

سنتناول اليوم إحدى أهم القصص المحلية التي كتبتها الظاهرة الادبية والمبدعة المتميزة المعروفة في الاوساط الثقافية باسم : "الدهماء ريم" والتي تلألأ نجمها وسطعت شمسها في السنوات الاخيرة كأحد أهم الكتاب الموريتانيين وأرسخهم قدما ,وأبرعهم قلما.

نعم ..حين تقرأ للدهماء أي نص ,سواء كان مقالا أو قصة ,أو خاطرة ,ستدرك فورا أنك أمام نوع خاص ومتميز من الكتاب الذين يجمعون بين الاصالة والمعاصرة ,أو أمام شلال متدفق ينساب كما تنساب مياه نهر جار في رحلة سرمدية تجعلك فاغرا فاك لا تدري هل البداية أجمل أم النهاية ,منظر المنبع أمتع أم المصب أروع.

 

وحين تطوف بك "الدهماء ريم" بين سطور وصفحات قصة جنوح الفرقاطة "لا مديز" على السَّواحل الموريتانية، تجعلك تغرق في تفاصيل غاية في الدقة والاتقان ,وستحس بلذة لا عهد لك بها ,وتود لو تلتهم الزمن وتختصر المسافات لتشارك أبطال القصة في تلك الأحداث "التراجيدية" التي رسمتها "الدهماء" بحِرفية ومهارة حتى بدت كأنها لوحة فنية تتداخل فيها الالوان فتحولها من حالة محسوسة إلى حالة مرئية.

مقدمة بقلم / محمد محمود محمد الامين

 

 

ولنترككم الآن مع (المنشور الأول) من قصة جنوح فرقاطة "لامديز" بقلم الكاتبة/ "الدهماء ريم"

 

أنا وابنتي.. واللوحة الخالدة.

....ا

#LaFrégateLaMéduse

(هذا المنشور الطويل، واحد من خمسة مناشير، لمن يحمل في إرادته تطبيقًا يسمح له بقراءة صفحتين، دون الاستعانة بأنبوب أكسجين أو بَخَّاخ للرَّبو، وأمَّا أهل اقليگ انفس، فما عليهم إلاَّ أنْ يهمسوا Passe عند بوَّابة الصفحة ويَعْبـُروا بسلامٍ آمنين، المناشير للإفادة أكثر من التسلية).

......

قرَأتْ ابنتي المُهتمَّة بفنِّ الرَّسم عن بعض "اللَّوحات العظيمة للتاريخ العظيم"، لوحات وراءها حكايات،.. فقادتها القراءة إلى اللوحة الخالدة Le Radeau de la Méduse، (الصورة 1) لتكتشفَ ارتباط الحدث بالسَّاحل الموريتاني، هذا "السَّاحل" الذي يعني لها -من بين أشياء- الانتماء، فاندفعتْ إلى قراءة قصة فرقاطة "لا مديز" نفسها La Frégate la Méduse.

ألحَّت ابنتي تُحاول حملي على إعادة إحياء انبهار بحكاية شدَّتني قبل ميلادها، فقد اصطليتُ في عمرها بنفس الفضول الحارق اتجاه القصة.. اليوم أتتبع معها، معكم، ثانية، مسار ذات الجوهرة العسكرية الفرنسية، التي جنحت في الربع الأول من القرن التاسع عشر قبالة شواطئنا، لتصبح من أشهر وأبشع الكوارث البحرية في التاريخ الحديث،.. لقد جنحت "لا مديز" مُطوَّلاً بخيالي مخلِّفة ظِلالَ رُعبٍ، فهي من القصص التي لا تصلح لقراءات المساء..

في عام 1816م، استعادت فرنسا نفوذها على السنغال بعد احتلالٍ من بريطانيا خلال حروب الإمبراطورية 1808م، فاتفقتا على تقاسم مكاسب غزواتهما في افريقيا، فكانت السنغال من نصيب فرنسا ثانية، بل استعادت الساحل الممتد من الرأس الأبيض إلى نهر غامبيا.

قرَّرَ الملك لويس الثامن عشر ارسال أربع سُفن عسكرية لإعادة استعمار السنغال، انطلقت من ميناء تولون باتجاه مدينة سين لويس(اندر)، من بينها سفينة القيادة القوية الفرقاطة "لا مديز" (الصورة 2)، تحمل دفعة من المستعمرين من 392 شخصا، شملت مستوطنين وعلماء مستكشفين وأسرهم، ومشاة لاستبدال القوات البريطانية، وكان الرَّاكب الأبرز الحاكم الفرنسي الجديد للسنغال، "قائد الملك" العقيد Schmaltz ، جوليان شمالتز .

عُهد بقيادة الفرقاطة "لا مديز" للقبطان De Chaumareys وهو نبيل ملكي، ينتمي لطبقة ضباط الأرستقراطية سبق أن هاجر إلى أمريكا هرَبًا من الثورة، مُتكبِّر بغباء، مُنع من الابحار منذ قيام الثورة سنة 1789م، مدة ( 25 سنة) كان عديم الخبرة، وعاد بقرار سياسي مع عودة الملكية مُكافأة لولائه ، وبمحسوبية من محيطه حيث كان خاله ضابطًا ساميًّا في سلاح البحرية، وبجرَّة قلم من وزير البحرية الفرنسية نَقَلَت الوساطة القبطان في لحظة من مُلازم إلى مُساعد أميرال، كان مُتعوِّدًا على قيادة سفن أبطأ سُرعة من "لا مديز"، وعلى المستوى الشخصي كان أنانيَّ الطَّبع، مكروهًا معزولاً من ضُبَّاطه وهم بالتناصف بين الجمهوريين، والبُونابارتيين، بدوره كان يزدريهم ولا يسترشد بهم، مُتمسِّكا بفَشَلِه حتى لا يُظهِر عَجزه.. ويُحتمل أنهم تعاملوا مبدئيا ببرودٍ مع جنوح الباخرة نكاية في القبطان.

تم تعظيم الولاء على الخبرة في جَوٍّ سَيطرت فيه على الأرستقراطيين حالة ذهنيَّة من التَّشبث بالملكية الرَّاعية لمصالحهم الشخصية.

بما أن الفرقاطة "لامديز" أسرع من سفن الحملة، كان عليها مرارًا التَّوقف في عرض البحر أو تخفيض سرعتها حتى تلحق بها بقية السفن المرافقة، أصيب حاكم السنغال الفرنسي وزوجته وابنته بدوار البحر وبالضَّجر، فأمر القبطان بالانطلاق بأقصى سرعة، فدفعه ضعفه أمام أوَامره إلى سلوك خطٍّ مُنفَردٍ عن بقيَّة السفن، وذلك ابتداء من جزيرة "تنريفي" بجزر كناريا باتجاه سين لويس بالسنغال، غير أنَّ انعدام الخبرة قاده في اتجاه الساحل الموريتاني.

كان من تقاليد البحرية المحفوظة الاحتفال بعبور مدار السرطان حين وصولهم لرأس بوجدور، وقد عبروه يوم 1 يوليو، أمضوا ثلاث ساعات منغمسين في طقوس احتفالية عبثية، لعبت فيها ثمالة كؤوس النشوة المترعة بالرؤوس، فكان المناخ الذي هيأ لبداية الجنوح للكارثة، وفشل المهمة العسكرية الملكية.. فخلال انشغاله بالاحتفال استخلفَ القبطان في قمرة قيادة السفينة ضابطا عقدويا من البحرية، يثق فيه ثقة عمياء يدعى "رايشفور"، كان "رايشفور" مُساعدا غير مبالٍ، يضارع القبطان إهمالاً، لم يكن مُحنَّكاً في القيادة، ولم يَخْبُر -تمامًا كقائده- الملاحة في السَّاحل الافريقي الغربي، مع أنه يدِّعي عكس ذلك، خرج لتوه من سجن في بريطانيا أمضى فيه عشر سنوات، شَرَدَ ذهنه لحظة توليه القيادة عن فعلٍ حيويٍّ لضمان السَّلامة، وهو قياس منسوب عمق المياه تحت السفينة، وفحص طبيعة القاع.

لقد أخطأ القبطان ومساعده في تقدير موقع السفينة بالنسبة لشريط حوض آرگين، Banc d'Arguin (تعني Arguin بالفينيقية المُشرق أو اللاَّمع وتعني النَّاري في لغة Les Celtes السَّلت ، لغة كانت مهيمنة على الساحل الغربي لأروبا)

حصل لدى القبطان خلط بين الرأس الأبيض ونتوء برِّيّ قبله، عِلمًا أنَّ هذه المنطقة عقبة بحرية معروفة للملاحين، فبدلاً من الالتفاف حول الشريط الرملي، حسب تعليمات السلامة، وقراءة الخريطة البحرية، كان مُتجاهلا عنيدًا للتَّحذيرات، وحين استحثَّه مساعدوه على التّراجع نحو العمق نظرا لبدء اخضرار لون الماء، (علامة قُربٍ من اليابسة)، امتنع وتوجَّه مباشرة إلى الوسادة الرملية لحوض آرگين، فأرتطم برمال القاع الضحل يوم 2 يوليو 1816م في حدود الساعة الثالثة مساء، على بعد اثني عشر فرسخا (حوالي 50 كلم) من الساحل الموريتاني.

........ا

يتبع بإذن الله.