بسبب التعذيب والضرب المبرح.. تجربة حية لطلاب محظرة حاولوا قتل مُعلِّمِهم

شيوخ تعذيب ؛!!!!!!!!

​في خريفٍ موريتانيّ عتيق، من تلك الخريفات التي تُخرج الناس أفواجاً من حواري المدن إلى بساطة البادية المترامية، في زمن معاوية الذي كان فيه لكل شيء لون وطعم ورائحة من سلطة مطلقة، حطّت بنا الرحل في قريةٍ بائسةٍ من هذا الوطن، قريةٍ تكاد تُنبت الحجر وتُبكي الشجر.

​هناك، حيث تقف البادية بصمتها المطبق، كانت تقبع "محظرة" يديرها شيخٌ أشبه بضباط الموساد، خبيرٌ محنكٌ في هندسة تعذيب المراهقين. لم يكن ذلك المكان فضاءً لتلقين القرآن بروح الآيات، بل كان معتقلاً سرياً يدار بقسوة مطلقة. وكان ابن أختي، الذي لم يتجاوز ربيعه السابع بعد، طفلاً يرتجف بين أيدي ذلك السجان. وما زالت أذناي ترتّان بكلمات الشيخ الخالدة في ذاكرة الرعب: "كرا لحوك يلي سلّ روحك"! رنينٌ جلفٌ يعكس فلسفة رجلٍ يرى في لحم الأطفال سُلالةً تُعجن بالعصا والترهيب.

​لم يكن أولئك الصبية يدرسون ابتغاءً لمرضاة الله فحسب، بل كانوا أسرى في محظرةٍ استثمارية؛ مراهقون محكومٌ عليهم بحفظ القرآن بأسرع وقت ممكن، لا لشيء إلا لكي يقبض ذلك "الرجل" مخصصاته و التي هي عبارة  عن  بقرتين عن كل واحد منهم اذا أتم حفظ كتاب الله. كان يجبرهم على حفظ ما لا طاقة للبشر بحمله، وإن عجز أحدهم عن الحفظ، كانت العقوبات ترتقي إلى مصاف محاكم التفتيش: يعلقهم من أطرافهم، ويشعل تحتهم "كازية" ملتهبة بلا رحمة أو شفقة! والأهل؟ آهٍ من الأهل! لا يكترثون للمصير، فكل ما يهمهم في نهاية المطاف هو أن يقال: "ابن فلان حفظ كتاب الله". لا يهم إن وُلد الطفل من جديد معتلاً نفسياً، أو إن خرج من سلخانة التحفيظ جثةً بمعنويات مهشمة.

​وبسبب هذا الجحيم المنهجي، نبت في قلوب المراهقين قسوةٌ وكرهٌ لذلك "الشيخ" لا تسعها محيطات الأرض. وبعد مدةٍ طالت كعمر الدهر، قرر الصبيان وضع حد لهذه المهزلة بعملية اغتيالٍ مدبرة. بدأت المعركة حين اشترى المراهقان كمية ضخمة من صبغة الشعر التي كانت تباع بثمن زهيد لا يتعدى الخمسين أوقية، فأخذا ذلك المسحوق الأبيض ومزجاه بحذر مع السكر الذي كان الشيخ يستخلصه لشاي الصباح و"الزريق".

​لكن الشيخ كان صنديْداً، من طينةٍ لا يُؤثر فيها سمّ ولا وعيد! وبعد أن استعمل سكر السام في شايِه، لم يحصل له شيء، بينما أصيبت زوجته المسكينة بضيق تنفس حاد جداً أودى بها إلى المستشفى، ولولا رحمة الله لفقدناها في تلك اللحظة العابرة. أصيب المراهقان بخيبة أملٍ مدوية، لكنهما لم يستسلما؛ قررا في المرة الثانية أن يجهزا عليه بسمٍّ أثقل كاهلاً، فلم يجدوا سماً أطهر أو أفتك من نوعٍ من "أدوية الإبل" السائلة يشبه الماء، فقاموا بخلطه مجدداً مع "زريق" الشيخ. وللاسف... لا شيء حدث! الرجل لم يمت، بل بدا وكأن السمّ زاده قوةً وعنفاً وابتكاراً في فنون التعذيب والإذلال.

​وأمام هذا الجبروت، وفي محاولتهم الأخيرة، اتخذ الصبيان القرار الأعظم: الهروب من الأهل، ومن الشيخ، ومن العالم أجمع. أخذا القليل من الماء، وفرا هاربين تائهين حتى وصلا إلى عمهما في نواكشوط. ولله الحمد، أنقذهما العم الكبير، وأعلنها صريحة مدوية: لن تعودوا إلى ذلك الشيخ أبداً.

​مرت السنين... والتقيت بأحدهم قبل سنوات في تونس العتيقة، كان شاباً غارقاً في تطرفه العلماني، إلى حدّ أنه لو جاز لنا القول إنه تحول بسبب تلك التجربة المريرة إلى ما يشبه العداء للدين برمته، لما بالَغْنا. لقد صنعوا منه بإرهابهم طفلاً كارهاً لكل ما يمتّ للسماء بصلة.

​ولكن بغض النظر عن مآلاته، يبقى الدرس الأبدي: أنْ يُقال "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" شيء، وأن يُترك القرآن رهينةً في يد "سيكوباتي" يخرج لنا المئات من الأطفال المشوهين نفسياً بالضرب والإهانة والتحرش والإغتصاب... (وهو الشيء الشائع بين مراهقي تلك المحاظر ومن المسكوت عنه).

​ختاماً، ليس هذا هجوماً على القرآن وأهله، ولا نقداً لاذعاً لفكرة "المحظرة" كمؤسسة أصيلة، بل هو تذكيرٌ ساخرٌ بأن عملية التربية والتعليم أعقد بكثير من أن يتقنها شخصٌ لا يملك من العلم ولا من الإنسانية شيئاً سوى سوط غليظ وروحٍ متعطشة للدم.

من صفحة المدوِّنة/ رملة سيد احمد