أول يوم في «بيت الرئيس»
---------------------------
بدأتُ عملي يوم السبت 28 نوفمبر 1970 في الرئاسة، حيث وصلتُ عند الساعة السابعة و45 دقيقة برفقة النقيب هارونا بوي الذي سأخلفه، وهو أحد أوائل ضباط جيشنا الوطني. ويمكنك أن تتخيل مئات الاسئلة التي كنتُ أطرحها على نفسي حول كيف يجب أن أعمل كي أكون في مستوى هذه المهام الجديدة، وأن أتصرف بشكل صحيح، في هذا العالم الجديد الذي كنتُ أخشى أن يكون راقياً وخانقاً جداً بالنسبة لي.
لكن على العكس من ذلك، فقد طمأنني الرئيس المختار بأريحيته وبساطته منذ أول لقاء لي معه. وعززتْ هذا الشعورَ الأولَ الطبيعةُ المتواضعة للمنزل الذي كان يعيش فيه الرئيس: فيلا صغيرة، نصف مساحة منزل مدير «ميفرما» (سنيم الحالية) في الزويرات حيث كنتُ أعمل سابقاً. كان هذا المنزل يبعد عشرات الأمتار مما يفترض أن يكون القصر الرئاسي، الذي لم يكن متواضعاً جدًا فحسب، بل كان مخصصاً لحفلات تقديم أوراق اعتماد السفراء الأجانب ولإقامة رؤساء الدول الذين يزورون بلدَنا. تم تركيب أول مكيف هواء في هذا القصر بمناسبة زيارة الملك فيصل عاهل المملكة العربية السعودية، رحمه الله تعالى، عام 1971.
إن أسلوب حياة الأسرة الرئاسية، وطبيعة زوارها من أقارب وأصدقاء موريتانيين في كثير من الأحيان، أو أجانب في مرات نادرة، إن لم يكونوا تلاميذ شباب أبناء إخوة أو أبناء أخوات الرئيس، سريعاً ما طمأنني على بساطة واعتيادية هذه الأماكن التي كنتُ أعلم أنها في بلدان أخري ليست في متناول الجميع.
بعد أن قدَّمني سلفي بصفة سريعة لرئيس الجمهورية وهو يغادر مقرَّ إقامته، رافقتُهما إلى مكان مراسيم رفع العلم التقليدية التي افتتحت احتفالات الذكرى العاشرة لاستقلالنا الوطني. وأعقب رفعَ العلم عرضٌ عسكري وحفلُ تكريم بالميداليات حضره ممثلو جميع الهيئات الرسمية وكذلك جميع رؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية المعتمدين لدى بلادنا. كان العرض العسكري في ذلك اليوم تحت قيادة النقيب سويدات ولد وداد، رحمه الله، وهو الآخر أحد الرواد وضابط شجاع من الجيش الوطني.
عند العاشرة صباحاً ألقى رئيسُ الجمهورية أمام الجمعية الوطنية الخطابَ التقليدي الموجهَ إلى الأمة على شكل تقرير سنوي عن نشاط الحكومة والإنجازات المختلفة التي حققتها الدولةُ، سواء أكانت قد اكتملت أم قيد التنفيذ. وكان من المقرر أن يكتمل البرنامج بتدشين مشاريع جديدة، ثم بعد الظهر إنزال المظليين جنوب منطقة مطار نواكشوط القديم فوق ما كان يسمى في حينه «كثيب المظليين».
كان يتصدر تدشينات الذكرى العاشرة هذه، تدشينُ طريق نواكشوط -اكجوجت، الذي اكتمل العمل فيه، وكان يشكل، إلى جانب طريق نواكشوط -روصو (203 كيلومتر) الذي أنجز قبل ذلك بسنتين، المحورين المعبدَين الوحيدَين في بلد مساحته مليون وخمسة وثلاثين ألف كيلومتر مربع.
وعلى عكس البلدان الأخرى التي استعمرتها فرنسا سابقاً، وأنشأت فيها بنيةً تحتية طرقية مقبولة إلى حد ما، لم يكن في موريتانيا كيلومتر واحد من الأسفلت يوم 28 نوفمبر 1960، أي يوم حصولها على السيادة الوطنية.
الوزير والسفير السابق الشيخ سيدي أحمد ولد باب أمين
نقلا عن صفحة المدون محمد المنى



