تلوث الهواء قد يجعلنا أكثر ميلا لارتكاب الجرائم

سبت, 20/04/2019 - 11:15

تخيل أن تبدأ الشرطة ووحدات مكافحة الجريمة في مراقبة مستويات التلوث في المدن وتكثف انتشار قواتها في المناطق التي تتوقع أن يصل فيها تلوث الهواء إلى أعلى مستوياته.

قد يبدو هذا المشهد كأنه مقتبس من أحد أفلام الخيال العلمي، لكن نتائج أبحاث حديثة تشير إلى أن هذا الإجراء قد يصبح جديرا بالدراسة مستقبلا.

إذ ربطت دراسات أجريت مؤخرا بين تلوث الهواء وبين تدهور القدرات المعرفية وعدم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح وزيادة مخاطر الإصابة بالاضطرابات النفسية وتدني التحصيل الدراسي، والأخطر من ذلك، ارتفاع معدلات الجرائم.

لا شك أن هذه النتائج تدق ناقوس الخطر، إذ يعيش الآن أكثر من نصف سكان العالم في المدن، ويتنقل أكثرنا يوميا عبر طرق مزدحمة. وذكرت منظمة الصحة العالمية أن تسعة من بين كل 10 أشخاص يتنفسون هواء يحتوي على مستويات عالية من الملوثات.

وفي عام 2011، قرر سيفي روث، الباحث بكلية لندن للاقتصاد، أن يبحث عن آثار أخرى لتلوث الهواء بخلاف آثاره السلبية المعروفة على الصحة وتسببه في وفاة الملايين. وبدأ روث بتحليل تأثير تلوث الهواء على الأداء المعرفي. إذ أجرى دراسة راقب فيها مع فريقه مجموعة من الطلاب أثناء تأدية الامتحانات في أيام مختلفة، وقاسوا نسبة تلوث الهواء في هذه الأيام، وحرصوا على أن تكون المتغيرات الأخرى، مثل المستوى التعليمي ومكان انعقاد الامتحان، ثابتة.

ولاحظ الفريق وجود تفاوت كبير بين درجات الطلاب يتزامن مع ارتفاع مستويات تلوث الهواء أو انخفاضها. إذ أحرز الطلاب أدنى الدرجات في الأيام التي بلغ التلوث فيها أعلى مستوياته، وكلما تحسنت جودة الهواء، تحسن أداء الطلاب.

وتابع روث أداء الطلاب بعد ثمانية أو عشرة أعوام من الامتحانات، لتقييم آثار التلوث طويلة الأجل. واكتشف أن الطلاب الذين أدوا الامتحانات في الأجواء الأكثر تلوثا انتهى بهم المطاف في الجامعات الأدنى تصنيفا، وكانوا يتقاضون رواتب أقل من نظرائهم الذين أحرزوا درجات أعلى.

ويقول روث: "بالرغم من أن تأثير تلوث الهواء كان قصير الأجل، في هذه الحالة، إلا أنه أثر على مستقبل الطلاب على المدى الطويل لأنهم تعرضوا للهواء الذي يحتوي على مستويات مرتفعة من الملوثات في هذه المرحلة الحاسمة في حياتهم".

وأيدت دراسة أخرى أجريت عام 2016 النتائج الأولية التي توصل لها روث، إذ أثبتت أن الهواء الملوث يؤثر على أداء العاملين.

وفي عام 2018، أجرى فريق روث البحثي تحليلا لسجل الجرائم والجنايات في 600 دائرة انتخابية بلندن، ولاحظوا أن ارتفاع مستويات التلوث اقترن بزيادة في عدد الجنح والمخالفات، في المناطق الغنية والفقيرة على السواء.

وفي نفس الدراسة، راقب الفريق سحابة من الهواء الملوث لرصد تأثيرها على مناطق معينة على مدار أيام. ومن المعروف أن السحب تنتقل من منطقة لأخرى بحسب اتجاه الريح. ويقول روث: "تعقبنا هذه السحابة يوميا وتابعنا مستويات الجرائم في كل منطقة تصل إليها هذه السحابة من الهواء الملوث، ولاحظنا بالفعل أن معدلات الجريمة كانت ترتفع في المناطق التي تغطيها هذه السحابة".

والأهم من ذلك، أن مستويات التلوث المعتدلة أيضا، التي تصنفها وكالة حماية البيئة الأمريكية بأنها معقولة، أدت إلى زيادة معدلات الجرائم.

وخلصت دراسة أخرى أجراها فريق بحثي بقيادة جاكسون لو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حلل فيها بيانات من سجلات جميع مدن الولايات المتحدة تقريبا على مدى تسع سنوات، إلى أن تلوث الهواء كان مؤشرا على ارتفاع معدل ارتكاب الجنايات والجرائم الخطيرة، مثل القتل الخطأ والاغتصاب وحوادث السطو وسرقة السيارات والاعتداءات. وسجلت أعلى معدلات الجريمة في المدن الأكثر تلوثا.

وأكدت هذه النتائج دراسة أخرى عن تأثير التلوث على المراهقين، وزيادة احتمالات مخالفتهم للقواعد والآداب العامة، مثل ارتكاب الغش والتغيب غير المبرر عن المدرسة، والسرقة، وتخريب الممتلكات، وتعاطي المخدرات.

وركزت ديانا يونان، من جامعة جنوب كاليفورنيا، وسائر الفريق البحثي على تركيزات الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، وراقبت التأثير التراكمي للتعرض لهذه الملوثات لدى 682 مراهقا على مدى 12 سنة. ولاحظ الباحثون أن احتمالات ارتكاب المخالفات تزداد في المناطق التي ترتفع فيها مستويات التلوث.

 ووضع فريق يونان في الحسبان العوامل الأخرى الاقتصادية والاجتماعية التي قد تزيد احتمالات الإقدام على ارتكاب الجرائم، لدراسة تأثير الجسيمات الدقيقة بمعزل عن غيرها من المؤثرات المعروفة على الجريمة.

وتقول يونان إن نتائج دراستها تدعو للقلق، لأن سلوكيات المراهقين لها تبعات طويلة الأمد على حياتهم. فإن الطالب المهمل في الدراسة، قد يعاني البطالة في الكبر وتزيد احتمالات وقوعه فريسة للإدمان.

وثمة تفسيرات محتملة اقترحها بعض الباحثين قد تساعدنا في فهم هذه العلاقة بين التلوث والسلوكيات. إذ أوضح لو، على سبيل المثال، أن مجرد التفكير في التلوث قد يؤثر على حالتنا النفسية.

وعرض الفريق البحثي على بعض المشاركين صورا لمدن شديدة التلوث وطلب منهم أن يتخيلوا أنهم يعيشون هناك. ويقول لو: "أردنا أن نعرّضهم لآثار التلوث نفسيا".

ولاحظ الفريق أن المشاركين أصبحوا أكثر توترا وأنانية، وهاتان الاستجابتان تزيدان احتمالات الإقدام على سلوكيات عنيفة وطائشة. ويقول لو: "كلنا يعرف أن القلق قد يدفعنا إلى ضرب شخص ما من باب الدفاع عن النفس. ولأن التلوث يرفع مستويات التوتر والقلق، فقد يزيد من احتمالات انتهاج السلوكيات العنيفة".

ش