#لكويرة
من دروس 1989 إلى الرد على ذباب المغرب
في عام 1989، عندما اندلعت الأزمة بين موريتانيا والسنغال، غادر بلادنا عدد كبير من العمال السنغاليين، تاركين وراءهم فراغًا واسعًا في مهن الحلاقة والميكانيكا والصيد والنقل وغيرها من الخدمات التي لم يكن الموريتانيون يمارسون بعضها على نطاق واسع.
لكن الحاجة صنعت التحول؛ فتعلّم الموريتانيون تلك المهن، واقتحموا مجالات جديدة، وحوّلوا الفراغ إلى فرصة، والاعتماد على الغير إلى اعتماد على الذات.
لقد أثبتت تلك التجربة أن الموريتاني لا تنقصه القدرة، وإنما الفرصة والإرادة.
واليوم، في ظل تصاعد الخطابات المغربية التي تمس السيادة الموريتانية، وخاصة قضية لگويرة، أصبح لزامًا علينا أن ننتقل من الاستنكار بالكلمات إلى الدفاع عن مصالحنا بالأفعال، وأن نجعل من هذه التحديات فرصة لبناء استقلالنا الاقتصادي.
وأولى معارك الاستقلال الاقتصادي تبدأ من الأرض.
فكيف لبلد يمتلك الأراضي الزراعية والمياه والشباب أن يظل معتمدًا على الخضروات المستوردة؟ ولماذا لا نجعل من مزارعنا مصدرًا لغذائنا، ومن شبابنا منتجين بدل أن يكونوا مجرد مستهلكين؟
علينا إعطاء الأولوية للخضروات الموريتانية، وتقليص الاعتماد على الواردات المغربية كلما توفرت البدائل، مع مطالبة الحكومة بدعم المزارعين وتمويل المشاريع الزراعية وتوفير وسائل الري والتخزين والتسويق.
أما المعركة الثانية، فهي إنقاذ مشاريع الشباب الموريتاني وتشجيعها.
في أسواقنا اليوم مشاريع مغربية تنافس مشاريع شبابنا في الحلاقة والمجازر والمطاعم والميكانيكا والتجارة. فلماذا لا نمنح أبناء وطننا الأولوية عندما يقدمون خدمات جيدة بأسعار مناسبة؟
إن الحلاق الموريتاني يحتاج إلى زبائن، وصاحب المطعم يحتاج إلى رواد، وصاحب المجزرة يحتاج إلى مشترين، والميكانيكي يحتاج إلى ثقة أصحاب السيارات.
كل أوقية ننفقها في مشروع موريتاني هي فرصة عمل، ولقمة عيش لأسرة، ولبنة في بناء اقتصاد وطننا.
كما يجب تشديد الرقابة على المجازر ومحلات بيع الأغذية، والتحقيق في الاتهامات المتعلقة باستخدام المبيدات والمواد الضارة على اللحوم والخضروات، ومعاقبة كل من تثبت مخالفته، فصحة المواطن فوق كل اعتبار.
أما معبر الكركرات، فقد حان الوقت لمراجعة تنظيم حركة الشاحنات التجارية العابرة منه.
أقترح فرض رسوم قانونية على الشاحنات الثقيلة بحسب حمولاتها، وتوجيه عائداتها إلى صندوق صيانة طريق نواذيبو ، مع تشديد الرقابة على السرعة والحمولات، وتغريم المخالفين وإلزامهم بتسديد الغرامات وفق القانون.
كما يجب أن تظل مراجعة شروط العبور، بما فيها تقييد حركة المعبر عند الضرورة، خيارًا سياديًا يخضع للمصالح الموريتانية.
إن الطرق الموريتانية ليست ممرات مجانية تُستهلك بنيتها التحتية بينما يتحمل المواطن وحده تكاليف إصلاحها.
إن دعوتي اليوم ليست مجرد رد على حملات إعلامية، وإنما دعوة إلى صحوة اقتصادية وطنية.
لقد علمتنا أحداث 1989 أن الأزمات قد تفتح أبوابًا للعمل والإنتاج لم نكن نطرقها من قبل. واليوم، لا نحتاج إلى انتظار أزمة أخرى حتى نكتشف قدراتنا.
فلنزرع أرضنا، ولنأكل مما ننتج، ولنمنح شبابنا فرصة النجاح في وطنهم، ولنجعل من تشجيع المنتج الوطني ثقافة يومية، لا مجرد شعار نرفعه عند الأزمات.
فمن لا يملك قوته، يصعب عليه أن يملك قراره، ومن لا يدعم اقتصاد وطنه، فلا ينتظر من الآخرين أن يبنوا له وطنا
من صفحة المدون/ عابدين محمد سالم


