الجزء الثاني من مأساة الاسرة الموريتانية التي فقدت 3 من أفرادها في لحظات

خميس, 18/04/2019 - 20:25

اتصلت اميمة تبكي وتُولول ...كان عبد الرحمن جالسا بجانب أمه..خرج مسرعا ليعرف من زوجته ما الذي حدث..وحتى لا يتسبب في إزعاجٍ أو ألمٍ للوالدة...
 
ماتْ....ماتْ..الكلمة الوحيدة التي استطاع سماعها في الهاتف من زوجته ...حاول أن يتمالك أعصابه ..لعنَ وساوس الشيطان..
عاد لسرير الوالدة..جلس...وقف...قعد...قام...أعاد الاتصال لعله يفهم شيئا هذه المرة...
 اميمة ما تزال تبكي..سمع جَلَبة ..أصواتا مرتفعة حولها...علِم أن الامر خطير ..والخطبَ جَلَل!!...استأذن أمه قليلا..لم يقل لها كلمة واحدة...خرج مسرعا ..لا يلوي على شيء...مئة فكرة وفكرة جالت في مخيلته...يزيد السرعة..ثم يزيدها..لم يعد يرى شيئا..أو يسمع شيئا..من المؤكد أن أطفاله ليسوا على ما يرام ..سيطرت هذه الفكرة على عقله وحواسه...وأعمت عقله قبل بصره..
ما الذي جرى..ما الذي حدث؟
لا يدري ...
 ترتطم سيارته بشكل مفاجئ بشاحنة تحمل "كونتينيرات" قادمة من الاتجاه المعاكس عند أحد التقاطعات الخطيرة...
 أما الزوجة المسكينة اميمة فقد كانت منهمكة في أعمال المنزل حينما سمعت صرخة شديدة من ابنها في الغرفة المجاورة ,فأسرعت إليه ,وإذا به فاغرا فاهُ , شاحبَ الوجه ,مفتوح العينين ,ساكن الحركة ,ممسكا بهاتف تركته يلهو به...
 دون أن تنطق بحرف...سقطت مغشيا عليها من هول المنظر ,لكن ابنتها الصغيرة خرجت تصيح : أمي...أخي..
 التفّ من حولها الجيران ,حيث تطوع أحدهم بفصل التيار الكهربائي والاتصال بالشرطة ,لكن بعد فوات الأوان.
انتهت عملية غسيل الكلى للمسكينة خداجة ..أَمرَها الممرضون بالنزول من سريرها لأن غيرها يحتاجه...
 جلست على الارضية خارج الغرفة..انتظرت ولدها...لا تعرف عنه سوى أنه استأذنها...طال الانتظار..نامت على جنبها ..تعبت من الجلوس والانتظار...لم يأتِ ولدها..
 أذان الظهر ينطلق من المسجد المجاور داخل المستشفى...بدأت تقلق...تُمتم بكلمات خافتة..ربما تدعو الله أن يعيد إليها عبد الرحمن.
 أول شيء قام به الجيران بعد دخولهم المنزل هو نقل امَّيمة وابنها ـ الذي توفي إثر صعقه بالكهرباء أثناء لعبه بالهاتف الموصول بالتيار ـ نقلِهما إلى المستشفى ,حيث لفظت المسكينة أنفاسها الاخيرة ,بعد جلطة دماغية سببتها الصدمة المفاجئة ,ويشاء القدر أن تُحفظ جثتها بجانب جثة زوجها الذي قضى في الحادث المروع.
 أما خداجة "الطفلة" الآن فتعيش مع الجدة المريضة "خداجة" في منزل أحد الاقارب ,حيث لا تُفارق إحداهما الاخرى ,ولا يعرف النوم إلى عيونهما سبيلا.
وفي الختام أقول : 
 إن الكلام وحده لا يكفي أبدا ,ولن يكفي لوصف حالة هذه الاسرة التي فرَّق هادم اللذات شملَها ,وجارَ الزمان عليها ,فأبدل فرحَها ألما وحزنا دائبين.
 كان الله في عون مَن تَبَقى منها ,ورحم مَن غادر الدنيا في ظرف مأساوي لم يتجاوز بضع دقائق محدودة ,حيث انطفأ نورها ,وأظلمت دنياها ,وبُدلت بعد السعادة شقاءً ,وبعد الفرحة بؤسا ,وبعد الاجتماع تفرقا.

تُطفئُ الموتُ ما تضيءُ الحياةُ
ووراءَ انطفائه ظُلماتُ.

بقلم الكاتب/ محمد محمود محمد الامين

مع موقع الجواهر

ولمَن فاتته قراءة الجزء الاول عليه أن يضغط على الرابط التالي من هنـــــــا