قصة حزينة ومرعبة وقعت في أحد المساجد الصغيرة

جمعة, 15/06/2018 - 13:48

روى أحدهم فقال : ركبت أنا و خالي سيارتنا وأخذنا طريق العودة بعد أن صلينا الجمعة في مكة المكرمة ,وبعد قليل ظهر لنا مسجد مهجور كنا قد مررنا به سابقا أثناء قدومنا إلى مكة ,وكل مَن يمر بالخط السريع يستطيع أن يراه بوضوح.

 مررنا بجانب المسجد وأمعنت النظر فيه .... ولفت انتباهي شيء ما ...سيارة فورد فاخرة , زرقاء اللون تقف بجانبه.

مرت ثواني وأنا أفكر : ما الذي أوقف هذه السيارة هنا ؟ ثم اتخذت قراري سريعا...خففت من السرعة ودخلت على الخط الترابي ناحية المسجد وسط ذهول خالي وهو يسألني : ما الأمر ؟ ماذا حدث ؟ أوقفت السيارة في الأسفل ودخلنا المسجد وإذا بصوت عالٍ يرتل القرآن ويقرأ من سورة الرحمن ,فخطر لي أن ننتظر في الخارج وأن نستمع لهذه القراءة ,لكن الفضول قد بلغ مني مبلغه ,فقلت أدخل لأرى ماذا يحدث داخل هذا المسجد المهدوم ثلثه والذي حتى الطير لا تمر به.

 دخلنا المسجد وإذا بشاب في العشرينات من العمر ,جميل المحيا ,أنيق اللبس ,طيب الرائحة ,قد وضع سجادة صلاة على الأرض وفي يده مصحف صغير يقرأ فيه ولم يكن هناك أحد غيره .. وأؤكد...لم يكن هناك أحد غيره , قلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فنظر إلينا وكأننا أفزعناه أو أنه استغرب حضورنا , ثم قال : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... سألته : هل صليتَ العصر؟ قال لا ,قلت : لقد دخل وقت صلاة العصر ونريد أن نصلي ,ولما هممت بإقامة الصلاة وجدت الشاب ينظر ناحية القبلة ويبتسم.....

قلت في نفسي : يبتسم لمَن ولماذا ؟ لا أدري , وفجأة سمعت الشاب يقول جملة أفقدتني صوابي تماما ,حيث قال بالحرف الواحد : "أبْشرْ" .. ثم قال : "وصلاة جماعة أيضا".... نظرَ إليَّ خالي متعجبا وخائفا ... فتجاهلت ذلك ثم كبرت للصلاة وعقلي مشغول بهذه الجملة "أبشر".. "وصلاة جماعة أيضا".

 مَن كان يكلم وليس معنا أحد ؟... المسجد كان فارغا مهجورا... هل هو مجنون ؟

بعد الصلاة ... أدرتُ وجهي لهم ونظرت للشاب وكان مازال مستغرقا في التسبيح ثم سألته كيف حالك يا أخي ؟ فقال بخير ولله الحمد قلت له سامحك الله ... شغلتني عن الصلاة ؟ سألني لماذا ؟ قلت وأنا أقيم الصلاة سمعتك تقول أبشر .. وصلاة جماعة أيضا ....ضحك ورد قائلا وماذا في ذلك ؟ قلت لا شيء ,ولكن مع مَن كنت تتكلم ؟ ابتسم ثم نظر للأرض وسكت لحظات وكأنه يفكر ..... هل يخبرني أم لا ؟ تابعت قائلا : لا أعتقد أنك  مجنون ...فشكلك هادئ جدا ... وصليتَ معنا صلاة طيبة ما شاء الله..... نظر إليّ ... ثم قال : كنت أكلم المسجد.... كلماته هذه نزلت عليَّ كالقنبلة . وجعلتني أفكر فعلا .. هل هذا الشخص مجنون !

قلت له نعم ؟ كنت تكلم المسجد ؟ وهل رد عليك المسجد ؟ تبسم ثم قال ألم أقل لك إنك ستتهمني بالجنون ؟ وهل الحجارة تتكلم ؟ هذه مجرد حجارة.....تبسمتُ وقلت كلامك صحيح وطالما أنها لا ترد ولا تتكلم ... لمَ تكلمها ؟ نظر إلى الأرض فترة وكأنه ما زال يفكر ... ثم قال دون أن يرفع عينيه : أنا إنسان أحب المساجد ,وكلما عثرت على مسجد قديم أو مهدم أو مهجور أفكر فيه.... أفكر عندما كان الناس يصلون فيه وأقول لنفسي يا الله كم هذا المسجد مشتاق لأن يصلي فيه أحد ؟ كم يحن لذكر الله ..أحس به ... أحس أنه مشتاق للتسبيح والتهليل ...يتمنى لو آية واحدة تهز جدرانه ,وأحس أن المسجد يشعر أنه غريب بين المساجد .. يتمنى ركعة .. ...سجدة ولو من عابر سبيل يقول الله أكبر ...فأقول لنفسي والله لأطفئن شوقك أيها المسجد.. والله لأعيدن لك بعض أيامك ..أدخل فيه ... وأصلي ركعتين لله ثم أقرأ فيه جزأ كاملا من القرآن الكريم...لا تقل إن هذه فعل غريب .. فأنا والله ..أحب المساجد... فلما فرغ ,دمعت عيناي ....ونظرت في الأرض مثله لكي لا يلحظ دموعي ...لقد بكيت من كلامه  من إحساسه.... من أسلوبه .. من فعله العجيب ..من رجل تعلق قلبه بالمساجد...ولم أدرِ ما أقول له واكتفيت بكلمة جزاك الله كل خير....سلمت عليه وقلت له لا تنساني من صالح دعائك ثم كانت المفاجأة المذهلة وأنا أهم بالخروج من المسجد قال وعينه ما زالت في الأرض أتدري بماذا أدعو دائما وأنا أغادر هذه المساجد المهجورة بعد أن أصلي فيها ؟ نظرت إليه مذهولا..... إلا أنه تابع قائلا : اللهم يا رب... اللهم إن كنت تعلم أني آنست وحشة هذا المسجد بذكرك العظيم وقرآنك الكريم ولوجهك يا رحيم.. فآنس وحشة أبي وأمي في قبريهما وأنت أرحم الراحمين....

 حينها شعرت بالقشعريرة تجتاح جسدي وبكيت وبكيت كطفل صغير...وقلت : يا لَله ما أبرّ هذا الشاب بوالديه...كل هذا من أجلهما!!!

ثم ركبت السيارة مع خالي وانطلقنا..ومنذ تلك اللحظة وأنا أفكر في هذا الشاب العجيب الذي عُلِّق قلبه بالمساجد.