قصة مؤلمة لرجل موريتاني مُسِن إسمه سالم رواها لي قبل وفاته

اثنين, 22/02/2021 - 16:01

كنت قد قمت قبل سنوات بكتابة قصة "العم سالم" وسأعيد نشرها بعدما علمتُ بوفاته ـ رحمه الله ـ قبل أيام في إحدى القرى النائية من البلاد.

وهذه هي قصة العجوز سالم :

ليس هذا العجوز القابع في ركن "ابراكَـ" من بركَة الكبّة" سوى الشاب سالم ذي العضلات المفتولة , صاحب الصولات والجولات في حرب الصحراء منتصف السبعينات من القرن الماضي.
للعم "سالم" قصة أغرب من الخيال وأعجب من العجائب السبعة.....
أما أنا فلا شيء في هذه الدنيا يستهويني وأجد فيه اللذة والمتعة أكثر من ليلة أفترش فيها الرمال وألتحف السماء...أقلِّب النظر في بديع صنع الله... في هذا الكون اللّامتناهي.... الكواكب والمجرات والنجوم المتلألئة...وبدر مضيء يختال رويدا رويدا ...وخرير مياه منسابة تهمس في آذان وريقات أغصان متدلية على ضفاف الوادي... فتُصدر حفيفا يحاكي في جماله صوتَ نايٍ يعانقه راعي غُنيمات.. يجلس القرفصاء ضحوةً ...يتمايل طربا فيعود إليه صدى نغماته من جنبات الهضاب المحيطة... فيردّدها الوادي... فيُصغي...يُحاكى ...يُرتل...يترنم....
لكن الأشد متعة ولذة من كل ذلك بالنسبة لي هو الجلوس بين البسطاء في بيئاتهم الأصليّة.... أستمع لحكاياتهم وقصصهم الواقعية.. دون تكلف ولا تعتعة...
تعرفتُ على العم"سالم" منذ بعض الوقت...أزوره...أختلف اليه بين الفينة والاخرى...
فالرجل رغم كبر سنه...رغم الآلام والمآسي التي مر بها...كنز ثمين من كنوز التاريخ الموريتاني القديم والحديث......

اعتدلَ جالسا بجسمه النحيل حين سألته أن يقص عليّ بعض ذكرياته.
بنيّ : من أين أبدأ وماذا عسايَ أقول.....
كنتُ أحد أفراد "كُوميات" في كتيبة الجمّالة الفرنسية ...لا نكاد نقيم حتى نرحل...نجوب الصحراء الكبرى ...من تيمبكتو الى الساقية الحمراء , فتيرس...ثم آدرار ...لا حدود ..ولا دُول... شعبٌ واحد مسلم...السكان بدو رُحّل... يَتبعون الماء والكلأ حيثما وُجدا....
تزوجتُ فتاة جميلة أيامَ كانت الصّنكَة في مناطق "أزواد" ولم أمض معها أكثر من ليلتين اثنتين...
لم يسعفني الوقت للتعرف عليها أو التعرف عليّ....افترقنا الى الأبد...عدتُ الى الشمال....ذهبت هي الى الجنوب ...الى المرابع المألوفة لأهلها , حيث ينتجعون صيفا في الادغال والغابات المالية...ويعودون الى الشمال الازوادي خريفا في رحلة حياتهم الابدية التي لا تتبدل ولا تتغيّر...
تزوجتُ مرة ثانية في إحدى قبائل الشمال الصحراوي التي تمتد مضاربها على رقعة شاسعة من آدرار جنوبا وحتى تخوم وادي الذهب شمالا...
مكثت معها أربعة ليال بلا أيّام...ثم شدَّت الفِرقة الرحال من جديد باتجاه "ازويرات"...
بداية اكتشاف المعدن ...بداية وضع السكة الحديدية...أصل ماهُ ظرك.. "أكل حقوق العمال والظلم والقهر" ــ مجرد استطراد ــ يتابع .....كُلّفنا بالحراسة ومرافقة العمال....كانت أطول مدة نمكث فيها أكثر من شهرين في مكان واحد....
تزوجتُ للمرة الثالثة ...أُعلن الاستقلال...

التحقتُ بالحرس الوطني ....ثم ...ثم انطلقت شرارة الحرب بيننا وبين ثوار "البوليساريو"....رصَّفتْ ياسر...بنيّ اعذرني...
صمَتَ طويلا.....أطلقَ آهات ..أنَّ أنين المريض المتألم...أتبعه بشهيق وزفير...
أطرق برأسه الى الارض...عيناه تذرفان الدموع بغزارة...عضّ شفة كادت تختفي في حلقه...لا أسنان تسندها ولا "عَاجْ سليم"...سمعته يهمس ..لعن الله النصارى.."هومَ السبب" لم أسأله...أشفقتُ عليه...

تحسّست حذائي بحذر ...خرجتُ متعللا بقرب الصلاة...مع ان الشمس ما تزال تخطو ببطء قبيل المغرب بما يقارب الساعة....
في الخارج.....أطفال الحي يلعبون....تناهى الى سمعي....."سالم أبوك أم جدك..هو شيباني حتَّ"؟ ضحكات تتبعها همسات ....لم أفهم شيئا...مضيتُ..
ما استطعت النوم , ولم يغمض لي جفن..أفكر في العم سالم... أتقلب على فراشي..أقرض أصابعي مرة..وأنتف لحيتي أخرى..
الوالدة ــ حفظها الله ــ فطنت لانشغالي ...ورقَّت لحالي...ظنتني أفكر في الزواج من جديد...فأنا وعدتُها قبل يومين أن أولي الامر اهتماما جديا بعدما ألحت عليّ....
مسكينة...شفاها الله......هي في واد..وأنا في واد..
صليتُ الصبح..لم أعد الى البيت كعادتي...بل وجدتُني مشدودا برغبة قاهرة للتحدث من جديد مع العجوز...بيّ ألاّ لغْبه نعرف عني....
رحم الله أخي النابغة ذهب في الصباح الباكر ليشتري الخبز لأسرته فوجد حريقا كبيرا قد أتى على عدة محلات تجارية ..وسيارات الاطفاء والاسعاف والجمهور يعج بهم المكان ...لم يعد لبيته الا بعد صلاة العصر..من شدّة "اكبيظ لغبه"..مع أنه كان شخصية فذة..كان أديبا..فقيها..محدثا لبِقاً.."وانَ ما جبتْ منو ماهُ لغبه يواجعه"
اشتريتُ 3 امبوريات و20 من النعناع وصرّة 100 من امّنيجة ومثلها من "شّم اشتوكه" وانطلقت...العجوز شمّام ,جغّام من الطراز الاول..
السلام عليكم يا شيخ سالم...رد السلام بصوت ضعيف ..انت امَّالك؟ 
ألَّا اصّ آتري الشم
....
الشم أراعيه...حاولَ أن يعتدل جالسا فلم يستطع...ناولته الشم ...وجهزت لمَّاعين ..عمّرت وصبيتْ كاس..
ملأ ما بين أصابعه من الشم وأخذ شهيقا عميقا...ثم أخذ "نكْبةً" أخرى ...دبَّت الحركة في جسمه ببطء...قلتُ : أين انتهينا بالامس؟
اسمع يا ولدي....كل المصائب جابوهَا انصارَه ءُهومَ السبب فيها...اسألني أنا
...
رزقني الله بأربعة أولاد وبنتٍ واحدة...ثم بكى بحرقة ...بكيت لبكائه دون معرفة السبب..
أولادي الكبار قتلا بعضهما دون أن يتعارفا..."الله يخزي انصارهَ"..
أما أحدهما فقد كان في ثوار البوليساريو مع خاله الصحراوي..وأخوه الاصغر كان جنديا في الجيش الموريتاني....
وهذه المرأة التي تراها أمامك هي ابنتي الكبرى من زوجتي الازوادية...فاضت دموعه بغزارة مرة أخرى ,بل مرة عاشرة....
أنا يا ولدي شاركتُ أيضا في حرب الصحراء ...أصبتُ بجروح بالغة...ثم وقعتُ في الأسر..ظن زملائي أنني قُتلت..أبلغوا أسرتي بذلك...

منتصف التسعينات أفرج عني..عدت الى الوطن..سكنتُ مع أختي الوحيدة في الكبّة..
تزوجت امرأة فقيرة في الاربعين من العمر من جيراننا رزقني الله بولدين منها ..
وكانت الفاجعة...كانت المصيبة...غطّى وجهه بكمه..بكى بكاء خشيت أن تفيض روحه معه..
لعن اليوم الذي رافق فيه الفرنسيين "الملاعين"
تابعَ حديثه : لقد اكتشفت بالصدفة ــ وما زال ينتحب ويتلوى كالأفعى ــ أن زوجتي وأم أولادي هي ابنتي التي لم أعلم حتى بحمل أمها بها....
أصبحت ــ بسبب النصارى ــ أبا لأبنائها وجدا لهم في نفس الوقت...أشفقت عليه من كثرة البكاء...خرجت.. رحمة به...
وفهمت سؤال الأطفال بالأمس لأحدهم : هل سالم أبوك أم جدك.....
وفهمت لماذا يلعن النصارى ويكرههم...
عدت إلى البيت متثاقلا...كئيبا ...كأني أحمل هموم الدنيا على كاهلي......

دخلت وأنا لا أشعر بشيء....لم أنتبه إلا على صوت الوالدة ـ حفظها الله ـ تسألني :

هل سمعتَ نصيحتي يا ولدي...وقررتَ ؟؟

 

بقلم/ محمد محمود محمد الامين