شهادة نادرة في حق المختار ولد داداه من مرافقه العسكري(ج3)

اثنين, 30/11/2020 - 14:48

عزي (الإسم الذي كان يلقب به عبد العزيز ولد أحمد) أخبرني عن مخاوفك بشأن إدارة النقود لكن إطمئن، ثقتي تامة وكل ما أطلبه منك، كما طلبت ممن سبقوك، هو ، فيما يتعلق بالأموال العامة ، أن تزودني في كل مرة ببيان معضد للمصاريف التي تم إجراؤها، والتي يجب أن أصدق عليها، وإذا لزم الأمر، أن تأتي بباقي المبلغ، لتستلم إبراء ذمة من الأمين العام للخزينة. شكرته مرة أخرى على ثقته ووعدت ببذل قصارى جهدي للإمتثال لهذه التعليمات.

 خلال فترة مهمتي مع الرئيس المختار ولد داداه ظلت بلادنا، على الرغم من تواضع مواردها وبنيتها التحتية للإستقبال بشكل خاص وجهة مميزة لزيارات رسمية عديدة ليس فقط من رؤساء الدول العربية الإفريقية ولكن أيضًا من الضيوف البارزين الآخرين من ملوك وأمراء ورؤساء من جميع أنحاء العالم.

 ومع إحتمال نسيان البعض، سأذكر من بين الذين زاروا موريتانيا خلال السنوات الأربع والأشهر الثلاثة التي قضيتها مرافقا عسكريا للرئيس، الملوك والرؤساء التالية أسماؤهم: الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية، الملك نورودوم سيهانوك من كمبوديا، الأمير مولاي عبد الله من المغرب، الرؤساء بومبيدو من الجمهورية الفرنسية، سنغور من السنغال، سيكو توري من غينيا، ديوري هاماني من النيجر، هواري بومدين من الجزائر، بورقيبة من تونس، القذافي من ليبيا، زايد بن سلطان آل نهيان من الإمارات العربية المتحدة، جوون من نيجيريا، موبوتو من زائير، بونغو من الغابون، أهيدجو من الكاميرون ، نجوابي من الكونغو برازافيل، أميلكاركابرال رئيسPAIGC وموسي تراوري رئيس مالي.

 كشاهد عيان على هذا العمل، خلال هذه الفترة، من الواضح أنني لا أنوي ولا أتوق الى تقييم العمل السياسي والاقتصادي والثقافي الإجتماعي الهائل الذي تم القيام به في سياق تاريخي صعب، من قبل هذا الرجل ورفاقه المؤسسين، الذين أنتهز فرصة هذه الشهادة لأحييهم بإحترام.

 ستكون ملاحظاتي حول هذه الفترة بشكل أساسي تلك الخاصة بـالمرافق العسكري السابق وستخصص ببساطة لإستحضار وتقاسم بعض الذكريات البسيطة أو الإنطباعات أو الصور أو المشاهد أو المواقف التي يمكن أن تفيد ولو قليلاً، أولئك الذين لم تسنح لهم الفرصة للتعرف عليه، في جوانب معينة من طبيعة هذا الرجل العظيم الذي هو الرئيس المختار ولد داداه: عن دفئه الإنساني، بساطته، رزانته، تقشفه، روحه التوافقية ولكن أيضا عن صرامته، من بين شيم أخرى.

 يجب أن أعترف أولاً أنه خلال السنوات الأربع والثلاثة أشهر التي أمضيتها في وظيفة المرافق العسكري هذه، كنت دائما اشعر أني في خدمة أخ أكبر، أو أب متواضع بقدر ما هو طيب، أكثر من رئيس الجمهورية. على سبيل المثال، خلال رحلاتنا العديدة وكلما لم يتضمن برنامج الزيارة عشاء أو غداء رسمييْن، كنت أتناول وجباتي ببساطة مع الرئيس المختار وحدنا أو بحضور أعضاء الوفد الآخرين.

 إلى جانب الموضوعات الآنية المفيدة دائمًا، والتي تتم مناقشتها بشكل عام في هذه الفرص، كان العشاء أو الغداء في كثير من الأحيان يشكل لحظات من الإسترخاء والود بفضل حرية التعبير وطبيعة الموضوعات المريحة التي كان الرئيس المختار كثيرا ما يقدمها بنفسه.

 في هذا السياق، أتذكر عشاءً قد تحدثت عنه كثيرًا، ذات مساء في سبتمبر 1971، أثناء رئاستنا لمنظمة الوحدة الأفريقيةOUA .في ذلك المساء كنا نتناول العشاء معه في الجناح المخصص له في فندق والدرف استوريا قد بدا لى العشاء وكأنه لن ينتهي لشدة إستعجالي على أن يلتحق أعضاء الوفد الآخرين بفندقهم سوميت المواجه. لقد كنت بالفعل متلهفا على أن أبقى بمفردي مع المختار لتبرير عدم تنفيذ أمر كان قد أعطاني إياه قبل بضع ساعات، في واشنطن، في غرفة الصالون البيضاوي بالبيت الأبيض، حيث تم عقد إجتماع بين وفد من الإتحاد الإفريقي الذي كان يرأسه ووفد أمريكي برئاسة الرئيس نيكسون.

 ولرغبته الشديدة في اللباقة، قرر الرئيس المختار قصر الحضور في هذا الإجتماع، الذي كان من المقرر أن يتناول قضية تصفية الإستعمار الحساسة للغاية، المتعلقة بروديسيا، فقط على خمسة وزراء خارجية أفارقة رافقوه في هذه المهمة، منهم حمدي ولد مكناس وزير خارجية بلدنا.

إستقبل وفد منظمة الوحدة الإفريقية في البيت الأبيض من قبل وزير الخارجية رودجرز، وكان يجلس مع الوفد الأمريكي في الغرفة البيضاوية في إنتظار وصول الرئيس نيكسون. كنت جالسًا في الخلف مع ضابط أمن أمريكي.

 أشار إليّ الرئيس المختار أن أقترب منه ليخبرني أنه يمكنني الإنضمام إلى أعضاء الوفد الآخرين الذين كانوا في صالة مجاورة. إلا أنني عندما أدرت ظهري له، وجدت نفسي وجهاً لوجه مع الرئيس الأمريكي الذي دخل لتوه الغرفة من باب داخلي وصافحني بحرارة، قبل أن يذهب إلى مقعده. أردت الخروج مسرعا، لكنني تلقيت دعوة صارمة للجلوس من زميلي الأمريكي الذي لم يكن علي علم بالأمر الذي أعطاني الرئيس للتو. كان عليَّ حضور هذا الإجتماع رغم أنفي.

 لذلك يمكن للمرء أن يتفهم نفاد صبري لأكون وحدي مع الرئيس لأشرح له الأمر. ولحسن الحظ، ولدهشتي العظيمة والسارة،

يتبع ان شاء الله...

لمتابعة الجزء السابق ,يرجى الضغط هنـــــا