ما لا يعرفه الكثيرون من أسرار الشيخ الددو

جمعة, 11/09/2020 - 17:25

 درستُ في المحظرة ثمانية وأربعين علما وهي عبارة عن سلالات؛ ففي علم القرآن ندرس علم التجويد والرسم والضبط والتفسير وتفسير آيات الأحكام، وطبقات المفسرين والقراءات وعلوم القرآن، وفي الحديث نظير ذلك حيث ندرس علوم الحديث، وعلم العلل وعلم التخريج والأسانيد والرجال، ومتون الحديث وشروحها وتاريخ السنة.

وفي علوم الفقه ندرس الفقه المذهبي، والفقه المقارن، والأقضية والنوازل، وعلم الفرائض (= المواريث)، والآداب الشرعية، وعلم أصول الفقه، والقواعد الفقهية، وتخريج الفروع على الأصول، وعلم الأشباه والنظائر، وعلم الفروق والاستثناء، والجدل الفقهي، وتراجم الفقهاء في مختلف المذاهب.

وفي علوم اللغة ندرس علم المفردات والشعر والنحو والصرف والبلاغة بعلومها الثلاثة، وعلم العروض والقوافي مع الدُّربة على قرض الشعر، وعلوم الاشتقاق الثلاثة، وعلم فقه اللغة المعروف حديثا باللسانيات. وفي علوم الرواية ندرس السيرة والأنساب والتاريخ الإسلامي والتاريخ العام وفتوح الأمصار وتاريخ الحضارة.

وفي العلوم العقلية ندرس علم الكلام والمنطق والفلسفة والجدل العقدي. وفي علوم التربية ندرس التصوف والسلوك وعلوم الآداب: آداب السفر والحضر والطلب وآداب الصحبة. وقد زدنا -في "مركز تكوين العلماء" الذي أسسناه في العاصمة الموريتانية نواكشوط- على هذه العلوم مقررات أخرى فصارت ثلاثة وستين علما!!

* ما هي أهم مقررات المنهج التعليمي الذي كوَّن العلماء الشناقطة الذين كان لهم صدى علمي واسع بأقطار المشرق الإسلامي كمصر والحجاز والأردن والعراق والهند؟

  • بالنسبة للعلِم فهو موروث مشترَك لهذه الأمة كلها وإنما تشغل عنه بعض الشواغل المدنية؛ فأصحاب النعمة الذين لديهم نِعَمٌ سابغة من الله وراحة دائما يقِلُّ نصيبهم من هذا العلم، ويكثر نصيب أصحاب الشدة والشَّظَف منه، وإن كان هذا ليس مطِّردا دائما. وأصحاب الشظف لا يجدون كتبا كثيرة فيعتمدون على الحفظ، عكس أهل المدن الكبرى التي كانت الكتب فيها متوافرة.

ومن قارن قرى موريتانيا بالقاهرة أو حيدر آباد -أو أي مدينة من المدن التي كانت فيها المطابع- فقد أخطأ في التصور، فالكتب المطبوعة كانت نادرة الوصول إلى موريتانيا، ولذلك كان العلماء الشناقطة ينشدون أشعارا في الكتب التي تصلهم مطبوعة، وكان جدي يقول إن أيّ كتاب لم يُختَم بالمطالعة فليس "مَـحْرَماً" للكتب المقروءة، فلا يجوز أن يوضع معها!ٍ ولندرة الكتب كان الناس يحفظونها عن ظهر غيب، وكان الشيوخ لا يشرحون لطلابهم الدرس قبل حفظه في الغالب.

فالمتون التي حفظت أنا مثلا أيام الطلب في النحو والصرف هي ’لامية الأفعال’ لابن مالك الأندلسي (ت 672هـ/1274م) مع طُرَّة (= حاشية) العلامة الحسن بن زين الشنقيطي (ت 1315هـ/1898م)، وألفية ابن مالك مع ’الجامع بين التسهيل والخصاصة’ للعلامة المختار بن بونا الشنقيطي (ت 1220هـ/1805م). و’أوضح المسالك’ لابن هشام المصري (ت 761هـ/1360م) وبقية كتبه النحوية، وأيضا كتب ابن مالك النحوية الأخرى.

وفي فن الحديث أولُ ما يبدأ به الأولاد ’الأربعون النووية’ للنووي و’العمدة’ للمقدسي (ت 600هـ/1203م) ، ثم يأتي ’الموطأ’ للإمام مالك (ت 179هـ/795م) و’الصحيحان’ للبخاري (ت 256هـ/870م) ومسلم (ت 261هـ/875م)، ثم بقية الكتب الستة. وفي السيرة والأنساب يبدؤون بمنظومات للعلامة أحمد البدوي الشنقيطي (ت 1208هـ/1793م) كنظم ’الغزوات’ ونظم ’الأنساب’ الكبير (1380 بيتا)، ونظم ’الخاتمة’ في تاريخ الخلفاء الراشدين والدول الإسلامية، وكذلك نظم ’الدُّوَل’ لابن الخطيب الأندلسي (ت 776هـ/1374م)، وفي الشمائل النبوية يدرسون ‘الشمائل المحمدية‘ للترمذي (ت 279هـ/892م)، و‘شمائل الرسول‘ لابن كثير (ت 774هـ/1372م)، ونظم ’الشمائل’ للعلامة ابن مُتّالي الشنقيطي (ت 1287هـ/1870م).

ثم في مصطلح الحديث يبدؤون بمنظومة العلامة سيدي عبد الله الشنقيطي (ت 1233هـ/1818م) المسماة ’طلعة الأنوار’، ثم ألفية الحافظ العراقي، ومنهم من يقرأ ’مقدمة ابن الصلاح’ (ت 643هـ/1265م) مع ’تدريب الراوي’ للسيوطي (ت 911هـ/1505م). وفي علم الفقه يبدؤون بالمختصرات التي تدرّسها الأمهاتُ لأطفالهن مثل ‘مختصر الأخضري‘ ومتن ‘نظم ابن عاشر‘، ثم يدرسون على المشايخ ’متن الرسالة’ و’مختصر خليل’ ومعه جميع شروحه الشنقيطية والمصرية والمغربية.

وفي الفقه المقارن يبدؤون بـ’القوانين الفقهية’ لابن جُزَي الأندلسي (ت 741هـ/1341م)، ثم يتدرجون في الكتب الكبرى الجامعة للمذاهب الفقهية. وفي الأصول يبدؤون بـ’الورقات’ لإمام الحرمين الجويني (ت 478هـ/1085م) أو بأحد أنظامها الشنقيطية، ثم يدرسون نظم ’الكوكب الساطع’ للسيوطي (1450 بيتا)، وهو نظم مُحْكَمٌ جدا لـ’جَمْع الجوامع’ لابن السبكي (ت 771هـ/1370م)، وكذلك يدرسون ’مراقي السُّعود’ (1001 بيت) لسيدي عبد الله الشنقيطي المتقدم.

رسوخ وعطاء
* في ظل تشعب العلوم التراثية وانتشار سلالاتها كما أوضحتموه؛ كيف يصل طالب العلم إلى الموسوعية؟

  • انطلاقا من رؤيتنا النقدية لمناهج الجامعات العاجزة عن تخريج علماء متقنين؛ حاولنا في "مركز تكوين العلماء" أن نسد هذه الثغرة، فكانت مقررات المركز شاملة ومركزة، مع إرفاقها ببُعدٍ آخر يغيب عن الجامعات والمدارس الحديثة وهو البعد التربوي، حيث قسمنا قيم الإسلام إلى قيم كبرى تُرَسَّخُ بالتدريج لدى الطلاب في كل مرحلة دراسية، مع برنامج تربوي يتضمن "عمل اليوم والليلة" وفق السنة النبوية في ذلك، فينشأ الطلاب علماء عاملين. والذي دعانا لهذا هو كثرة الفجور وغلبته على علماء السلاطين الذين يبررون لكل ظالم ما يحلو له من سفك الدماء وظلم الناس.

ولم نهمل في "مركز تكوين العلماء" البعد المعاصر؛ فالطلاب يُلزَمون بإعداد بحوث مقارنة، ويكوَّنون مكتبيا ويزورون المؤسسات الأخرى للاستفادة منها والاطلاع على تجاربها النافعة، مع الحرص الشديد على حفظ المقررات التي هي 226 كتابا، واستيعابها وتكوين ملكات علمية في 63 فنا كما تقدم، وبتخرّج الطالب من المركز يكون هو وحده بمثابة 63 دكتوراً، لتخصصه في كل هذه الفنون التي يتخصص الدكاترة المعاصرون في فن واحد منها!

* في مواجهة النقد الموجه للمتون والحفظ؛ يتساءل البعض عن إمكانية أن يكون الإنسان عالما بدون دراسة وحفظ هذه المتون؟

  • بالنسبة لحفظ هذه المتون لا يمكن أن يكون الإنسان أصلا طالبَ علم بدونه، فمجرد المطالعة لا يكوّن عالما لأنه لا يبقى معه من المطالعة إلا بعض المعاني الشاردة، لكن ما حفظه الإنسان دائما فيكون كما قال الإمام الشافعي (ت 204هـ/820م):
    علمي معي حيــــثما يمَّـــــمْتُ يتبعني ** قلــــــبي وعـــاءٌ له لا جـــوفُ صندوقِ
    إن كنتُ في البيتِ كان العلم فيه معي ** أو كنتُ في السُّوقِ كان العلمُ في السُّوقِ!

وحفْظُ هذه المتون وإتقانُها هو الذي يبقى مع الإنسان من هذه العلوم، وسيكون الإنسان حينئذ مستحضرا لكل هذه الشروح وتظل باقية معه، وكان بعض علمائنا الشناقطة يقرأ درسه اليومي من المتن العلمي ألف مرة.

هذه حلقة من ضمن حلقات أخرى نشرنا بعضها وما زالت منها بقية ,حيث تم نقلها من مقابلة للشيخ الددو مع صفحة "الجزيرة نت"

 

يتبع ان شاء الله....