نظام الرئيس ولد الغزواني وتحديات الفشل/ أحمد سالم سيدي عبد الله

أربعاء, 12/08/2020 - 11:36

خرجت حكومة الوزیر الأول محمد ولد بلال بعد عدة أیام من الإنتظار، كانت ملیئة بالتوقعات التي ذھبت أدراج الریاح، فقد خرجت الحكومة نسخة من سابقتھا، مع تطعیمھا ببعض رجال نظام ولد الطایع، وتلك میزة یدرك المتتبع لنھج الرئیس محمد ولد الشیخ الغزواني منذ وصوله للسلطة التحلي بھا، فقد ركز في اختیاره للأشخاص الذین كلفھم بأدوار ساسیة أو تنفیذیة حساسة على نظام الرئیس ولد الغزواني وتحدیات الفشل انتقاء بعض وزراء ولد الطایع أو ولد الشیخ عبد الله، ربما یكون ذلك عائدا إلى عدم ثقته في رجال العشریة المنصرمة، أو لعدم معرفته بالنخبة السیاسیة، وھو ما سیجعل الرجل دون شك رھینة لتفكیر رجال مرحلة كانت على الدوام مثار جدل كبیر..

عوامل النجاح..

مما لا شك فیه أن السنن والتجارب تفرض على أي نظام جدید تكوین طاقمھ الخاص، ویجب أن یكون ذلك الطاقم خال من الشوائب التسییریة والسیاسیة، حتى لا یكون رھینة لتفكیر وتخطیط رجال نظام سابق..، وھو الأمر الذي لم یستطع الرئیس محمد ولد الشیخ الغزواني القیام بھ حتى اللحظة، وإن استطاع عبر التشكلة الجدیدة إخراج أبرز رموز نظام سلفھ من الواجھة التنفیذیة على الأقل، لكنه وقع رھینة رجال أنظمة سابقة قد یكونون أكثر خطرا على نظامھ من رجال العشریة الأخیرة

.. یمكن اعتبار التشكلة الجدیدة خروجا على إكراھات المرحلة السابقة، وما حملتھ من صداقات، وتحالفات انتخابیة..، لكنھا فتحت الباب واسعا أمام تحدیات سیاسیة جدیدة سیكون على النظام مواجھتھا بحكمة، حتى لا تكون عامل عرقلة أمام تحقیق الأھداف المنشودة..، والتي من أبرزھا خلق نھضة شاملة، تركز على تنفیذ البرنامج الطموح الذي تقدم بھ رئیس الجمھوریة خلال الحملة الإنتخابیة، والمعنون ب”تعھداتي” فثمة عمل كبیر تعثر خلال السنة الأولى من المأموریة، ویتطلب القیام بھ انطلاقة وقویة، یصحبھا ھدوء سیاسي، واجتماعي، تنتج نھضة اقتصادیة سریعة، تركز على تطویر الزراعة، وتنمیة القطاعات الإنتاجیة، والعمل على خلق قطاع صناعي فعال یساھم في التخفیف من أعباء البطالة التي تدمر مستقبل الآلاف من الشباب الموریتاني كل عام، ناھیك عن العمل على تطویر برامج التعلیم لتواكب متطلبات السوق، وتكون عامل مساعدة في تطویر الأبعاد التنمویة، والتي یجب أن تنطلق من ضرورة تكوین جیل قادر على الخدمة في میادین الاستصلاح الزراعي والصناعات الصغیرة والمتوسطة، وھو ما سیمكن البلد من التطور في فترة مقبولة من الناحیة الزمنیة..، إذا ما تم التركیز على تصنیع المواد الخام التي یقوم البلد بتصدیرھا إلى الأسواق العالمیة، كما یجب على الحكومة التركیز على تحسین مستوى الخدمات الصحیة، وجعلھا في متناول المواطن البسیط، ومنع الأدویة المزورة من دخول البلد؛ وھو ذات الشيء الذي یجب تطبیقھ بالنسبة للمواد الغذائیة المستوردة، مع أن إبعاد وزیر التجارة السابق عن قطاعھ حمل رسالة سلبیة للمواطن، حیث یمكن اعتباره خضوعا لرجال الاعمال الذین ضایقتھم قرارات الوزیر الصارمة..، ھذا بالإضافة إلى ضرورة، خفض أسعار المحروقات، والمواد الأساسیة، وزیادة الرواتب، وإعادة الإعتبار للموظف العمومي، وتقریب الخدمات من المواطن، وخلق تقارب بین الإدارة والمواطنین الذین ینظرون إلیھا نظرة غریبة یمكن وصفھا بأنھا أقرب إلى اعتبارھا إدارة تابعة للمستعمر، ولا علاقة لھا بالوطن، وھو إرث توارثھ على ما یبدو المواطن والإدارة على حد سواء.. أبرز تحد.. كل الآمال المعلقة على الحكومة قد تكون في مھب الریح إذا لم تجد الأرضیة المناسبة للعمل وتنفیذ برنامج الرئیس، فعودة التجاذبات السیاسیة المتشنجة، والصاخبة، قد تشغل الحكومة عن تنفیذ برنامجھا، وتجعل كل الآمال المعلقة على برنامج الرئیس في مھب الریح، خاصة مع شعور المعارضة التقلیدیة بحرمان أطرھا من الوظائف غیر السیاسیة..، وغیاب رؤیة تدعم فتح حوار سیاسي، واجتماعي، یمكنھا من تقدیم رؤیتھا للإصلاح، ویجعلھا شریكا حقیقیا في حل بعض القضایا العالقة خصوصا فیما یتعلق بالملفات الملحة كملف الوحدة الوطنیة، وعلى رأسھ قضیة العبودیة التي تعد من أكبر القضایا التي قد تكون سببا في انھیار كیان الدولة إذا لم تتم معالجتھا عبر خطة توافقیة جامعة وبشكل سریع.. یمكن أن یقول البعض إن غالبیة أحزاب المعارضة الآن في تشاور مستمر مع النظام عبر تنسیقیة الأحزاب الممثلة في البرلمان، وعبر اللقاءات شبه الدوریة مع رئیس الجمھوریة، لكن ھذا التنسیق یمكن وصفه بالھش وغیر القابل للبقاء إذا لم یشفع بعمل تشاركي حقیقي..، كما أن تنسیقیة الأحزاب، عرفت انسحاب حزب تواصل الذي یمتلك زعامة المعارضة، وتلك أول نواة لبلورة تمایزات داخل الساحة السیاسیة، قد تدفع بعض أحزاب المعارضة إلى الإلتحاق بالأغلبیة، في ظل بوادر التململ داخل ھذه الأخیرة، وھو ما یمكن أن یقود إلى تشكل قطب معارض جدید یتولى التصدي لنظام الرئیس محمد ولد الشیخ الغزواني، خاصة إذا ما فشلت حكومته في تنفیذ برنامجه المعارضة المحتملة.. أعتقد أن جمیع المعطیات تشیر إلى ان معارضة قویة للرئیس محمد ولد الشیخ الغزواني ستتشكل لا محالة في فترة قد لا تطول كثیرا، وستتكون من داعمین سابقین للرجل قد یكون من بینھم أحزاب معارضة دعمته في الإنتخابات الرئاسیة، ولم تجد مكانتھا، بالإضافة إلى الرئیس السابق محمد ولد عبد العزیز وأنصاره إذا ما استمر النظام في مضایقتھم، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمیة الذي تفرض علیه مكانته الحالیة كقائد للمعارضة البقاء فیھا، وتحالف حركة إیرا وحزب الرك الممنوعین من الترخیص بقیادة المرشح الذي حل ثانیا في السباق الرئاسي الأخیر بیرام الداه اعبید، وتحالف القوى التقدمیة للتغییر بقیادة اتیام صمبا، ھذا التحالف في حال تشكل، واستطاع الوصول إلى العمق الإنتخابي الذي أوصل الرئیس محمد ولد الشیخ الغزواني إلى السلطة والمتمثل في الولایات الشرقیة التي تعرف تذمرا كبیرا یلاحظه المتتبع العادي، إذ ترى غالبیة النخبة والساكنة البسیطة فیھا أن الرئیس عمل على إقصائھا من الجھاز التنفیذي منذ تسلمه مقالید السلطة في البلد، سیمثل ھذا التحالف تحد حقیقي للرجل الذي أحاط نفسه برجال قاب قوسین أو أدنى من التقاعد خدموا أطول ناظم مخزني حكم البلاد، یتقنون فن التزلف، وتزییف الوقائع، وھو ما سیجعله معزولا عن الواقع، وما یتطلب من دینامیكیة لحلحلة تحدیاته المتسارعة..، ومع تشكل تحالف معارض قوي، قادر على الحشد وتأزیم الساحة السیاسیة، وإبراز نقاط ضعف، وفشل النظام، وقیادة الإضرابات العمالیة، والطلابیة، سیكون الرئیس محمد ولد الشیخ الغزواني أمام ثلاث خیارات لا رابع لھما: – الرحیل عن السلطة بشكل مبكر قبل انتھاء مأموریته تحت ضغط الجماھیر وتعثر عمل حكومته، بسبب الانشغال في إدارة الأزمات السیاسیة، وغیاب الرؤیة الواضحة لحل مشاكل البلد، لدى الرجال الذین اختارھم لتنفیذ برنامجه الانتخابي. – إكمال مأموریته الأولى وھو منھك بسبب الضغط الممارس علیه من طرف الشارع وخصومه السیاسیین، والذھاب طواعیة دون الترشح لمأموریة ثانیة. – الخیار الثالث وھو الأخطر أن یتحول الرجل إلى دكتاتوري یقمع معارضیه، السیاسیین، ویسجنھم، وتلك عاقبة وخیمة سیجد في محیطه من یروجھا ویكررھا على مسامعه، لكنھا ستقوده في النھایة إلى الرحیل عن السلطة عبر بوابة انقلاب عسكري قد یكون سلمیا، وقد یكون غیر ذلك لا قدر اللهقبل كل ھذا وذاك یمكن لولد الشیخ الغزواني أن یكون قائدا لنھضة حقیقیة في موریتانیا، وذلك ھو الأمل الذي یسكنني وأتمسك به وأرفض أن یتلاشى..، لكن ذلك یتطلب تشكیل طاقم خاص به، لم یسبق له أن تورط في خدمة أنظمة رجعیة دكتاتوریة فاسدة، بالإضافة إلى وضع معاییرواضحة وشفافة، تعزز من مكانة مؤسسات الدولة، وتحد من صلاحیات بعض الأفراد والأجنحة، المتنفذة في نظامه والتي استطاع بعضھا تصفیة بعض خصومه، وما زال بعضھا الآخر یتصارع أمام ناظریه، دون أن یتدخل بشكل حازم لوقف ذلك.

إن أي نھضة منشودة تتطلب بیئة ھادئة وإشراكا للجمیع، ومراقبة صارمة ودقیقة، واختیار طاقم یمتلك الخبرة والتجربة والنزاھة التسییریة، والسیاسیة، ومحاربة جادة للفساد تنطلق من مبدأ ثابت وشامل یطبق على الجمیع، وبعید كل البعد من جمیع أشكال الانتقائیة، حتى لا تكون مجرد شعار لتصفیة الحسابات مع الخصوم السیاسیین، مثل ما حصل في السابق..

أحمد سالم سیدي عبد الله كاتب صحف