اتهام العراقيين بقتل الرئيس الجزائري

سبت, 20/06/2020 - 17:27

أمين حبلّا - الجزيرة الوثائقية - عندما قرر بوخروبة محمد إبراهيم أن يدفن اسمه إلى الأبد، ويتخذ مكانه اسما حركيا هو هواري بومدين، كان يفتتح بذلك تاريخا جديدا من حياته التحم فيه بمسيرة الجزائر الجديدة ونضالها ضد الاستعمار الفرنسي، ثم نهوضها وتأسيس كيانها السياسي وقوتها العسكرية والاقتصادية التي استطاعت في سنوات عديدة أن تكون إحدى أهم الأقطاب في شمال أفريقيا والعالم العربي.

فتح بوخروبة عينيه على الحياة في 23 أغسطس/آب 1932 بقرية بني عدي قرب جبل هوارة قريبا من مدينة قالمة الجزائرية، وترعرع في أسرة فقيرة جدا تعمل في الفلاحة وتحمل سمات الكادحين وآمال فقراء الجزائر في انعتاق من سيطرة جنرالات باريس الذين لم يكونوا يرون للجزائر وجودا خارج فرنسا قيمة وهوية وسياسة.

تلقى بوخروبة الهواري تعليما دينيا مركزا مع تعليم عصري باللغة الفرنسية في قالمة الجزائرية، والتحق بالمدرسة الكتانية التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مدينة قسنطينة الأثيرة في تاريخ النضال والعلم في بلاد المليون شهيد.

 

سفح هوارة.. فرار من التجنيد الفرنسي

في بيت العائلة الصغير وفي الحقل الفواح بأزهار الحرية ونسمات التوق إلى جزائر لا تحكمها فرنسا، وفي حارات منطقة جبل هوارة، تربى بومدين على كره فرنسا الغاصبة التي قتلت من الجزائريين أكثر من مليون مجاهد رفضوا الخنوع لسلطة باريس.

وفي المدرسة العلمائية كان عبق النضال يشتد في نفس بوخروبة الذي رفض بشكل قاطع أن يؤدي الخدمة الإجبارية في الجيش الفرنسي، وفر من أرضه في سفح جبل هوارة إلى تونس عند بلوغه 18 عاما.

وفي تونس التحق بجامع الزيتونة، لينهل من جديد من العلوم الإسلامية المختلفة قبل أن يلتحق بالأزهر الشريف لتعميق دراسته، وبعد دراسته بالأزهر بدأ مساره العسكري المترافق مع اندلاع الثورة الجزائرية، وهو المسار الذي انتهى به قائدا لأركان الجيش الجزائري ورئيسا بعد ذلك لبلاد المليون شهيد.

 

جيش التحرير الوطني.. فقيه وجندي وانقلابي

التحق هواري بومدين بالجيش الجزائري الجديد، أو ما يعرف بجيش التحرير الوطني في المنطقة الغربية، وترقى فيها إلى رتبة مدرب عسكري عهد إليه بتدريب وتشكيل خلايا عسكرية سنة 1956، وقد دفعه انخراطه في الثورة المسلحة ومقاومة المستعمر الفرنسي في تلك الفترة وتحديدا في العام 1957 إلى التخلي عن اسمه الحقيقي، إذ أصبح منذ العام 1956 معروفا باسمه العسكري الجديد هواري بومدين، دافنا بذلك اسمه الرسمي محمد إبراهيم بوخروبة في ذاكرة الأيام، فقد كان المستعمر الفرنسي يعاقب أقارب وقبيلة كل ثائر يتمكن من تحديد هويته أو الوصول إليه.

واصل بوخروبة النضال العسكري ضد فرنسا، وتولى مسؤولية الولاية الخامسة في الجزائر، قبل أن يترقى في العام 1958 إلى رتبة قائد أركان المنطقة الغربية في جيش التحرير الوطني، حتى وصل إلى قيادة التنظيم العسكري الكامل لجبهة التحرير الوطنية، وبعد الاستقلال تولى منصب قائد أركان الجيش الجزائري الجديد، ثم نال بعد ذلك حقيبة وزير الدفاع في حكومة الاستقلال الذي عبرت إليه الجزائر على أمواج الدماء وجثامين مليون شهيد سنة 1962.

ومع الاستقلال كان بومدين قد أصبح أحد الرموز الأساسية لجزائر ما بعد فرنسا، حيث تولى سنة 1965 منصب نائب رئيس المجلس الثوري، قبل أن يقرر الانقضاض على السلطة بالقوة، فتولى الرئاسة بعد أن قاد انقلابا عسكريا في 19 يونيو/حزيران 1665، وأرسل رفيقه القائد الثوري أحمد بن بلة إلى السجن. وكعادة كل الانقلابيين كان الشعار المعلن هو الحفاظ على أهداف الثورة ومبادئها.

 

ناصر المغرب العربي.. بريق الحقبة الذهبية للجزائر

قفز بومدين إلى قمرة القيادة في الجزائر، بعد أن كان مجهولا للكثيرين وغير ذي تجربة سياسية وفق ما يرى غريمه الرئيس السابق أحمد بن بلة الذي كان كثيرون يرون فيه زعيما جماهيريا وقائدا وطنيا. ويرى بعض الكتاب الجزائريين أن بومدين أعاد تجربة الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع المشير محمد نجيب، إذ أزاحه بعد فترة وجيزة وسيطر على الحكم.

وإذا كان بومدين قد فتح على الجزائر بوابة حكم العسكر والانقلابات العسكرية بإطاحته بالرئيس المدني أحمد بن بلة، إلا أنه يمثل بالنسبة للجزائريين الرئيس المؤسس بحكم فترته الذهبية التي مثلت أقوى وأهم فقرات التأسيس الجزائري.

وقد استطاع بومدين أو بوخروبة أن يحكم النصوص الدستورية والسياسية للجزائر، وأن يضع قاطرتها على السكة الاشتراكية اقتصاديا وفكريا رغم تكوينه الديني وثقافته الشرعية التي استقاها من عدة محاضن علمية في الجزائر وخارجها.

ثورت بومدين الثلاثية "الزراعية والصناعية والثقافية" وضعت الجزائر في مصاف الدول المعتبرة عالميا

 

الثورة الثلاثية.. دعائم القوة الإقليمية

أطلق بومدين ثورته الثلاثية المشهورة "الثورة الزراعية والصناعية والثقافية" وقد استطاعت الجزائر في سنوات بومدين التي استمرت من 1965 إلى 1978 أن تقف على سوق التقدم وأن تنهض كقوة سياسية وعسكرية وثقافية وتصنيعية مهمة في المنطقة.

وقد اعتمد الرئيس الجزائري مبدأ التعليم والثروة للجميع، كما اتخذ قرارات ثورية متعددة مثل تأميم مصادر النفط والمحروقات والغاز، وإطلاق ثورة زراعية هائلة مكنت الجزائر من الاعتماد على نفسها في هذا الجانب الحيوي.

وفي مجال التسليح تمكن بومدين من جعل الجزائر في فترة وجيزة قطبا عسكريا وأمنيا مهما في المنطقة، وذلك مع تضخم سيطرة الجيش وتوسع قدراته ووسائله.

بومدين كان أول من دعم الثورة الفلسطينية بالسلاح والعتاد والإيواء

 

"مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".. نصير الثوار

عرف عن هواري بومدين مساندته المفتوحة للثوار، واستثماره في دعم المشاريع السياسية والعسكرية للحركات الثورية في عدد من دول العالم وخصوصا في أفريقيا، كما كان مساندا أساسيا للمقاومة الفلسطينية، وعضوا فاعلا في منظمة الوحدة الأفريقية ومنظمة دول عدم الانحياز، وكان من أبرز دعاة إطلاق نظام دولي جديد مؤسس على آمال وتطلعات الشعوب وخصوصا تلك التي كانت مستعمرة سابقا.

وقد ساند ودعم بقوة مصر في حرب أكتوبر/تشرين الأول سنة 1973، واستضافت بلاده عشرات الثوار والمؤتمرات الثورية المتعددة للقوى السياسية والشبابية من مختلف أنحاء العالم.

وبشكل خاص مثلت قضية فلسطين جزءا أساسيا من الاهتمام الخارجي لبومدين الذي أطلق الشعار الجزائري الخالد "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة".

عروبة بومدين جعلته يصر على تعريب المؤسسات الحكومية والعسكرية تحررا من الفرانكفونية

 

تعريب الدولة.. مشروع وأده التيار الفرانكفوني

مثّل التعريب جزءا أساسيا من البرنامج السياسي والفكري لهواري بومدين، وقد وضع قبل رحيله سنة 1978 قاطرة العربية على سكة الإدارة الجزائرية، حينما دعا إلى أن يتسلح كل جزائري بثقافة عربية تمكنه من الولوج إلى الإدارة، وذلك ضمن ما يعرف بمرسوم 26 إبريل/نيسان 1968 الذي اشترط مستوى كافيا من معرفة اللغة العربية عند توظيف أي مواطن في الإدارة الجزائرية.

كان بومدين يرى في التعريب جزءا من الرؤية الاشتراكية التي حملها طيلة فترة حكمه، وسعى لتجسيدها واقعا حيا في المجتمع الجزائري، وهي الرؤية ذاتها التي سبقها إليه سلفه الرئيس أحمد بن بلة الذي قال في خطاب له يوم 5 يوليو/تموز 1962 إن "التعريب ضروري لأنه لا اشتراكية بلا تعريب، ولا مستقبل لهذا البلد دون التعريب".

بيد أن مساعي التعريب التي حمل بومدين لواءها تناقضت عمليا وفق ما يقول الكثيرون مع سيطرة التيار الفرانكفوني (الناطق بالفرنسية) على دواليب الحكم والسياسة وزيادة نفوذه خلال فترة حكم بومدين.

كما أن هذا التعريب كان منفصلا إلى حد كبير عن الرؤية الدينية لبومدين الذي رفض "إدخال القيم الإسلامية إلى مشروعه"، وحاول قدر جهده "أن يبعد الدين عن الميدان السياسي"، وأن يحشر الإسلام في دور الرمز لا أكثر"، حسب ما قال رئيس الوزراء الجزائري السابق عبد الحميد الإبراهيمي للجزيرة في برنامج زيارة خاصة.

وللإنصاف فلم يكن الأمر خاصا ببومدين، فقد كانت معظم النخب السياسية بالعالم العربي في العقود التالية لقيام الدولة الوطنية الحديثة ترى بقوة ضرورة إبعاد الدين عن المشاريع السياسية، وذلك ضمن حالة علمانية واسعة سادت التفكير السياسي لمختلف الرموز والشخصيات الثورية خلال عقود ما بعد الاستعمار.

الوقوف إلى جانب جبهة البوليساريو في الصحراء المغربية وترت العلاقات مع المغرب

 

استقلال الصحراء الغربية.. تصدع جدار المغرب الكبير

بارك هواري بومدين تقسيم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا سنة 1970 وشارك في مؤتمر نواذيبو بموريتانيا رفقة الزعيمين الراحلين الملك المغربي الحسن الثاني والرئيس الموريتاني المختار ولد داداه.

لكنه تراجع لاحقا عندما أثبت الصحراويون أنهم قوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها، وقرر دعم استقلال الصحراء، واحتضان جبهة البوليساريو التي نشأت لتحرير أراضي الساقية الحمراء ووادي الذهب.

فقدت موريتانيا أثناء الحرب سندا جزائريا مهما استطاع أن يسدي لها خدمات تنموية متعددة، وفقدت المغرب صديقا كانت تراهن عليه في صناعة حلف مغاربي كبير. ودخلت المنطقة كلها في أتون أزمة ماحقة ما يزال المغرب العربي يدفع ثمنها باهظا.

 

شخصية بومدين القيادية ذات الرؤية الواضحة الثاقبة جعلته يضع دستورا ويقيم انتخابات لا يهاب نتائجها

 

ديكتاتور النهضة.. بومدين في الميزان

لا يزال اسم هواري أبومدين أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في الشارع الجزائري، حيث يحنّ إلى عهده عدد كبير من المسنين الذين يرون فيه الباني الأول الذي أسس لنهضة الجزائر الاقتصادية والسياسية والعسكرية في مختلف الأصعدة، وفرض اشتراكية مكنت الجزائريين من الحصول على الغذاء والتعليم والصحة مجانا.

أما خصومه فيرون فيه ديكتاتورا قاسيا على خصومه زج بهم في غيابات السجون والتعذيب ضمن ديكتاتورية شاملة وقاسية.

ويرى عدد من هؤلاء أن بومدين أسس لأسبقية الجيش على السياسة، وأسبقية الخارج على الداخل، وفتح بابا واسعا للانقلابات العسكرية وتحكم الجيش في مفاصل الحكم والسلطة ببلد المليون شهيد.

بنفس السم الذي قتل به عرفات، قتل بومدين، فالأعداء متربصون بكل وطني غير عميل لهم

 

سم العراق القاتل.. من قتل جندي الجزائر؟

بشكل مفاجئ رحل هواري بومدين عن عمر قصير نسبيا، بعد أن أصيب بمرض غامض إثر زيارة قام بها إلى العراق، وظن الأطباء أولا أن الرجل مصاب بسرطان المثانة، ولكن التحليلات أثبتت خلاف ذلك، وبعد سنوات طويلة من رحيله طرحت فرضية تسميمه، فتحدثت عنها زوجته، ثم أكدها أكثر من طرف آخر داخل الجزائر وخارجها.

ولم يستبعد وزير شؤون رئاسة الجمهورية والإعلام والخارجية العراقي الأسبق حامد الجبوري أن يكون بومدين تعرض للتسميم في العراق، بل أشار في حديثه ضمن حلقة من برنامج شهادة على العصر إلى "أن أعراض المرض ظهرت على الرئيس بومدين في دمشق بعد مغادرة بغداد مباشرة في طريق عودته إلى الجزائر".

وقال الجبوري إنه حين زار الجزائر ضمن وفد عراقي للمشاركة في تشييع بومدين، أخبره وزير الخارجية الجزائري السابق أحمد طالب الإبراهيمي أن المرض الغريب الذي أصيب به الرئيس جعله يضمحل ويتحول إلى ما يشبه الشبح، فيتساقط شعره وتلين عظامه وتتكسر إلى حين وفاته. مضيفا "لقد رأيت حالات مشابهة لحالته في العراق".

تسميم بومدين أكده أيضا رئيس الوزراء الجزائري السابق عبد الحميد الإبراهيمي، ولكنه أشار بأصابع الاتهام إلى جهات أخرى. وقال الإبراهيمي في حديث مع الجزيرة ضمن برنامج زيارة خاصة إن "الأطباء أكدوا في تقريرهم الطبي أنه مات مسموما، بومدين مات مسموما بالتأكيد، كان بصحة جيدة!"، واتهم الإبراهيمي ضباطا مقربين من فرنسا بتنفيذ تلك لعملية.

وفي يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 1978 انطفأت شمعة هواري بومدين عن عمر لم يزد على 46 سنة، ليبقى اسمه خالدا في ذاكرة بلاد الأمير عبد القادر، فهو رئيسها الثاني وزعيمها الأول.