طبيب يرد الجميل لرجل كبير وفقير ساعده وهو طفل قبل 30 عاما

أحد, 17/05/2020 - 16:21

يقول أحد الشيوخ :
في سنة 1994 مَرضتْ ابنتي، و كان عمرها في ذلك الوقت أربعة عشر سنة.

بعد الفحوصات الاولية في المستوصف القريب منا وجهني الأطباء لنقلها إلى مستشفى عين النعجة بالجزائر العاصمة.

رغم البعد و الحالة الضعيفة توكلت على الله, و سافرت إلى العاصمة.

وصلت إلى المستشفى.. سألت عن الجناح المقصود، فوجدته بعيدًا، و لم أكن أعلم أن المستشفى كبير لهذه الدرجة، مدينة طبية متكاملة يسير فيها الراكب بسيارته، فكيف بشيخ مثلي.

مشيت قليلا، و لم أجد من يساعدني. فتَعَبَ الشيخوخة، و تَعَبَ السفر، و تَعَبَ الحاجة، و تَعَبَ المرض الذي ألَمَّ بابنتي, أرهقتني كل ذلك, و جلست لأستريح في مكان مخصص لركن السيارات.

و كُنت بين الفينة و الأخرى أذرف الدمع رغم انفي، و أتوارى عن ابنتي و عن الناس كي لا يرونني باكيًا.

و بينما أنا كذلك، و إذا بسيارة فاخرة تركن بجواري، خرج منها شاب طويل القامة بهي المُحَيَّا، يرتدي بدلة بيضاء، شارته (بطاقته المهنية) تتدلى على صدره.

انتبه الي و توجه نحوي و سألني عن حاجتي، فخنقتني العبرات و لم أقدر على الكلام.

سألني:
يا عم هل معك رسالة طبية.؟ أعطني بطاقة هويتك.

يقول الشيخ:
لمّا سَلَّمْت لهُ البطاقة، راح يتأملني من رأسي إلى أخمص قدمي، و قد بدت عليه علامات الدهشة و الاستغراب!

ثم أرسل تنهيدة من أعماق جوفه، و جلس بجانبي و راح يتفرس في ملامحي تارة، و يُقَبِّلُ جبيني تارة أخرى، و لم يتمالك نفسه و ذرفت عيناه!

سألته:
ما بك يا ولدي؟ هل أصابك مكروه لا قدّر الله؟
قال:
لا و إنما أشفقت لحالك، ثم حَمَلَ ابنتي بين يديه، و قال: تعال يا عم معي.

دخل الشاب أروقة جناح طبي متخصص، و وَضَعَ الطفلة على كرسي متحرك، و الكل يُحيّيه تحية تقدير و احترام و يتودد إليه.. يبدوا أنه صاحب مكانة و شأن في هذا المستشفى.

راح يطوف بالبنت بين قاعة الاستعجالات، و مختبر التحاليل، و جناح التصوير بالأشعة، و قسم التخدير و الإنعاش، و الجراحة العامة.. و في حدود الساعة الرابعة صباحًا كانت البنت قد أُجرت لها عملية جراحة ناجحة و استعادت وعيها.

حمدتُ الله و شكرتُ الشاب الذي كان لي ظهيرًا و سندًا و معينًا.
قلت له:
سيبقى خيرك يطوق عنقي ما حييت, فقد كان كل مَن في المستشفى يخدمني خدمة استغربتُ من مستواها الراقي جدا، و لم أسمع بها سوى في مستشفيات الدول المتقدمة في هذا المجال.

و بعد ثلاثة أيام، أمرني الطبيب الذي أجرى العملية الجراحية لابنتي بمغادرة المستشفى.

فطلب مني صاحبي الذي التقيته أول يوم أن تمكث الطفلة في بيته أسبوعًا آخر حتى تسترد عافيتها و تستكمل نقاهتها، لأن السفر متعب و المسافة بعيدة.

استحييت من كرمه و خيره، لكني استجبت له.

و مكثت في ضيافته سَبعة ليالٍ، وكانت زوجته تخدم ابنتي وكان هو و أولاده يترفقون بي و بابنتي و يعاملونني بمنتهى الرقة و اللطف و الأدب.

و في الليلة السابعة، لمّا وضعوا الطعام على المائدة، و تحلقوا للعَشاء، امتنعت عن الطعام، و بقيت صامتًا لا أتكلم، قال لي الرجل: كُلْ يا عم, كُلْ, ما ألمَّ بك.؟

قلت و بصوت مرتفع و نبرة حادة:
و الله لن أذوق لكم طعاما إلا إذا أخبرتموني مَن أنتم.؟ ومَن تكونون.؟

أنتَ تخدمني طوال أسبوع كامل، و أنا لا أعرفك, تخدمني و تُبالغ في إكرامي! و أنا لم ألتقي بك سوى مرة واحدة في المستشفى, مَن أنت ابني أخبرني حيرني بتعاملك معي و بكرمك!؟

قال:
يا عم كُلْ. هيا كُلْ و بعد العشاء أخبرك.
قلت:
و الله لن تدخل فمي لقمة واحدة، و لن آكل طعامك إنْ لم تخبرني من أنت؟ ومن تكون؟
حاول الرجل التهرب من الجواب لكنه و أمام إصراري.

أطرق برأسه قليلا. ثم قال بنبرة خافتة:
يا عم إن كنتَ تَذْكُر. فأنا ذاك الطفل الذي أعطيته خمسة دنانير سنة 1964 عندما كنتُ أجلس خلفك في الحافلة أنا ابن فلان ابن فلان.
آه تذكرت. أنت ابن فلان من قريتنا!؟
نعم. نعم. لقد تذكرت يومها كنت في الحافلة متجها من قريتنا الفلاحية إلى إحدى المدن القريبة، و كان يجلس خلفي صبيان عمرهما لا يتجاوز، على ما يبدو، سبعة أعوام، سمعت أحدهما يحدث الآخر قائلا له: هذا العام شحت السماء، و الخريف يوشك أن ينصرم، و الأرض لا تُنبت شيئًا، و أبي فلاح فقير ليس بيده ما ينفقه عليَّ، و لذلك فأنا مضطر لترك مقاعد الدراسة هذا العام.

لمّا سمعت الطفلان يتحدثان عن الفقر و الحرمان بهذا الوعي الذي لا يدركه إلا الكبار، تأثرت و ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت.

و على الفور, أخرجت من جيبي خمسة دنانير و نَاولتها للصبي، و قلتُ له:
خذ هذه الدنانير، و المبلغ آنذاك يفي لشراء الأدوات المدرسية كلها.
رَفَضَ الصبي أخذ الدنانير، فقلت له: و لماذا يا ولدي؟ قال:
ربما يظن أبي أني سرقتها.
قال:
قل له فلان بن فلان أعطاني إيّاها لشراء الأدوات المدرسية، فإن أباك يعرفني تمام المعرفة.
تهللت أسارير الطفل و تناول الدنانير الخمسة و ابتسم ابتسامة الرضا و السرور و دسها في جيبه.

و نسيت من يومها هذا الموقف مع ذاك الصبي.

قال الرجل:
فأنا يا عم ذاك الصبي. و لولا تلك الدنانير الزهيدة لما أصبحت اليوم بروفيسورا في أكبر مستشفى بالجزائر.

و ها قد التقينا بعد أن منَّ الله علي بأعلى المراتب في أنبل و أشرف المهن. فقد افترقنا سنة 1964 و ها نحن نلتقي سنة 1994 بعد 30 سنة بالتمام و الكمال.!

و الحمد لله أن قدرني لأرد لك بعض الجميل.

يا عم الدنانير الخمسة التي أعطيتها لي صنعت مني بروفيسورا في الطب.

يا عم و الله لو أعطاني أحد كنوز الدنيا لما فرحت بها الآن كفرحي يومها بتلك الدنانير الزهيدة.

يا عم فضلك عليَّ كبيرة. و الله مهما فعلت فلن أرد لك الجميل.

فأسأل الله أن يجازيك خير الجزاء.

فأكثروا إخواني من فعل الخير،
و مساعدة الآخرين،
و الصدقة، و لو بالقليل ففيها من البركة و الخير الكثير في الدنيا، و الأجر الكبير في الآخرة.

افعل الحسنة و انسها فإن الله سيجزيك بها بالأضعاف مهما مكثت.