أي اقتصاد ينتظرنا بعد جائحة كورونا؟

جمعة, 08/05/2020 - 14:51

تظهر عيوب النمط الاقتصادي الحالي القاتلة في خضم أزمة كورونا بالنقص في وسائل الحماية الطبية وحسب، بل وفي قلة الأغذية ومنتجات حيوية أخرى. أين موقع الدول العربية من هذه العيوب وهل تتعلم الدرس وتعمل على تجاوزها؟

تجد التغيرات التي يشهدها عالمنا انعكاسها في التغير الدراماتيكي الذي يشهده نمط حياتنا اليومي. فخلال أقل من شهرين على تفاقم الأزمة أصبحت حياة ثلث سكان الكون، أكثر من 2.5 مليار نسمة محصورة بين مكان السكن ومتاجر الأغذية والمشروبات والمنظفات المنزلية والصيدلية. وبين ليلة وضحاها توقفت آلاف المصانع والمؤسسات ومعها عشرات الملايين عن العمل بخسائر يقدرها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية بنحو تريليوني دولار حتى الآم.

وفي المقابل أصبح على عشرات الملايين منا العمل من البيت بدلا من المكتب أو المكان الذي يوفره أصحاب العمل. وفجأة أصبحنا نعيش دون متاجر ألبسة ومطاعم ومقاهي وصالونات حلاقة وسياحة، في وقت تتحول فيه مراكزنا الحضرية إلى مدن أشباح.

في ظل هذا الوضع تزدهر التجارة الإلكترونية وتتعزز مكانة حياتنا الافتراضية عبر الإنترنت ووسائل تواصلها المتعددة بشكل لم يسبق لها مثيل.

شريعة الغاب

في خضم هذه التغيرات يلوح في الأفق نمط أو نظام اقتصادي جديد على وقع العيوب القاتلة في النمط الحالي الذي يتعامل مع صحة الناس في معظم البلدان على أساس الربح والخسارة. وتظهر هذه العيوب أيضا في الغياب المريع للتضامن العالمي مقابل تعزيز النزعة القومية الأنانية حتى في بين دول تشكل أحلافا واتحادات كحلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

ومن الأدلة الكثيرة على ذلك تهم فرنسية وألمانية تفيد بأن واشنطن تقرصن شحنات طبية بأسعار خيالية سبق لجهات فرنسية وألمانية أن اشترتها قبل ذلك. على الصعيد الأوروبي لم تستفق بروكسل على النكبة الإيطالية بالفيروس لتقدم اعتذارها لروما على التقصير في تقديم عون أو مساعدة. وبدورها ترفض واشنطن رغم الأسباب الإنسانية رفع العقوبات عن تزويد إيران وفنزويلا وسوريا وكوبا ودول أخرى بمعدات طبية لمواجهة كورونا.

وحتى صندوق النقد والبنك الدوليين فهما شبه مختفيان عن ساحة التضامن التي خلت إلا من المساعدات الثنائية التي تقدمها ألمانيا وروسيا والصين وحتى كوبا الفقيرة لبعض الدول المنكوبة وفي مقدمتها إيطاليا.

وهناك ولحسن الحظ مبادرات فردية وخيرية في مختلف أنحاء العالم تخفف المعاناة عن جزء من معاناة الناس، لاسيما الفقراء منهم بسبب الارتفاع الكبير الذي بدأت تشهده أسعار بعض الأغذية والأدوية الضرورية. وهنا لا بد من التأكيد على دور كبير يقوم به متبرعون وجمعيات خيرية في الدول العربية بشكل يساعد على التخفيف من حدة تبعات الأزمة.

عولمة تفاقم المشكلة

غير أن أسوأ عيوب نمط الاقتصاد العالمي الحالي تلك المتمثلة في قيام الدول التي تخصصت بإنتاج وتصدير الحبوب والأغذية ومستلزمات الحماية الطبية بوضع قيود على تصديرها كما فعلت مؤخرا أوكرانيا وروسيا وفيتنام على صعيد الأغذية والولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى على صعيد المنتجات الطبية.
ويزيد الطين بلة غياب تشكيل خلية أزمة عالمية للتخفيف من حدة المشاكل الناتجة عن ذلك رغم وجود الأمم المتحدة وعشرات المنظمات الدولية المتخصصة بالشأن الاقتصادي. ومن شأن وضع كهذا أن يدفع الدول التي عزفت في ظل عولمة العقود الثلاثة الماضية وتقسيم العمل الدولي الحالي، عن إنتاج أغذيتها وأدويتها وسلعها الأخرى الضرورية والاستراتيجية للعودة إلى إنتاجها محليا تحسبا لنقص قد يؤدي إلى انتشار الجوع وحدوث انهيارات في نظمها الصحية.

ولا تقتصر قائمة الدول التي هجرت الإنتاج على دول فقيرة ونامية كدول عربية وأفريقية، فهي تشمل أيضا قائمة من البلدان الصناعية مثل إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا. ومما تعنيه هذه العودة قيام الدولة بدور أكبر في اقتصاد الإنتاج الواقعي على حساب اقتصاد المضاربات والمشتقات المالية الافتراضي والرأسمالية المتوحشة.

ابراهيم محمد