هكذا أنتج السوفييت أكبر طائرة ثم أعدموا صاحب الفكرة

جمعة, 03/01/2020 - 18:06

خلال العام 1932، جاء الصحافي السوفييتي، ميخائيل كولتسوف (Mikhaïl Koltsov)، بفكرة مذهلة لإبراز قوة ومكانة الاتحاد السوفييتي في مجال صناعة الطائرات على الصعيد العالمي. فدعا من خلال أحد مقالاته المؤسسات السوفييتية للعمل على صناعة أكبر طائرة في العالم، ليصبح بذلك الملهم الأيديولوجي لهذا المشروع العملاق، الذي راق للقائد السوفييتي جوزيف ستالين.

وقد جاءت موافقة ستالين على هذا المشروع لأغراض دعائية سعى من خلالها لترويج البروبغاندا الشيوعية عن طريق الطائرة العملاقة ذات الأبعاد المذهلة والمزودة بمحركات متطورة ومتعددة. فكان من المقرر أن تمتلك هذه الطائرة جهاز راديو وجهاز إرسال لقّب بصوت السماء ومخبر صور ومطبعة، قادرة على طباعة 10000 وثيقة بالساعة، لطباعة المطويات الدعائية التي تلقى من السماء ومسلاط قوي قادر على بث صور ستالين مباشرة على السحب.

وتزامناً مع ذلك، قرر المسؤولون السوفييت تسمية هذه الطائرة، التي حملت الاسم التقني توبوليف إيه أن تي 20 (Tupolev ANT-20)، مكسيم غوركي (Maxim Gorky) كتكريم لهذا الكاتب الماركسي الروسي الذي قارب عمره حينها 65 سنة.

في الأثناء، مثلت توبوليف إيه أن تي 20 أكبر طائرة عرفتها فترة الثلاثينيات حيث قدّر طولها بنحو 33 متراً وقاربت المسافة بين أقصى جناحيها 63 متراً متجاوزة بذلك الطائرة الألمانية دورنير دو إكس (Dornier Do X) بخمسة عشر متراً، كما زودت هذه الطائرة العملاقة، التي قارب وزنها 30 طناً، بثمانية محركات من نوع M-34FRN قدّرت قوة الواحد منها بتسعمئة حصان، وهو ما مكنها من بلوغ سرعة قصوى تجاوزت 220 كلم في الساعة.

وإضافة لكل ذلك، زودت الطائرة إيه أن تي 20 بجميع وسائل الرفاهية واعتبرت سابقة لعصرها بفضل قدرتها على استقبال نحو 48 راكباً بمساحة بلغت 100 متر مربع وامتلاكها غرفا مزودة بأسرّة ومقاعد وطاولات ونوافذ مزينة بستائر واحتوائها على مكتبة ومطبخ صغير.

وعلى الرغم من كل هذه الامتيازات، كان عمر طائرة إيه أن تي 20 قصيرا. فخلال احتفال رسمي يوم 18 أيار/مايو 1935، عرفت هذه الطائرة العملاقة نهاية مأسوية فوق سماء موسكو أودت بحياة جميع راكبيها البالغ عددهم 49 فردا، والذين كان من ضمنهم 38 مسافرا و11 شخصا من طاقمها.

فأثناء الاحتفال، حلّقت إيه أن تي 20 برفقة طائرتين حربيتين من نوع آر 5 (R-5) وآي 5 (I-5) لإبراز حجمها مقارنة بهما في سماء موسكو. وفي خضم هذه الجولة، حاول نيقولاي بلاغين (Nikolaï Blaguine) قائد المقاتلة آي 5 القيام بعدد من الحركات الاستعراضية لإبهار الصحافيين والمصورين فارتطم من دون قصد بالجناح الأيمن للطائرة العملاقة إيه أن تي 20 متسببا في فقدانها لتوازنها وتحطمها بعد 15 ثانية فقط لتعرف بذلك أعظم طائرة بثلاثينيات القرن الماضي نهاية غير متوقعة.

وعلى الرغم من هذا الحادث، واصل الاتحاد السوفييتي العمل لإنتاج طائرة عملاقة أخرى فنجح في صناعة نوع آخر من إيه أن تي 20. إلا أن الأخيرة عرفت نهاية شبيهة بنهاية الطائرة العملاقة التي سبقتها، فتحطمت بأوزباكستان منتصف كانون الأول/ديسمبر 1942 بعد أن قضت 272 ساعة فقط في الجو متسببة في وفاة 36 من راكبيها.

وعلى إثر هذه الكارثة الثانية، أوقف الاتحاد السوفييتي العمل على صناعة هذه الطائرة العملاقة ليشهد بذلك مشروع إيه أن تي 20 نهايته. وتماما كفكرته بصناعة هذه الطائرة، عرف الصحافي ميخائيل كولتسوف نهاية تعيسة حيث فقد الأخير ثقة ستالين تدريجيا قبل أن يعتقل ويعدم رميا بالرصاص يوم 2 شباط/فبراير 1940 بعد أن اتهم بالتآمر على الاتحاد السوفييتي.