من ذكريات موريتاني في موسكو

سبت, 23/11/2019 - 14:58

حطت بنا طائرة" إير افلوت" الروسية العملاقة في مطار موسكو الدولي ...

الساعة تشير الى الواحدة والنصف صباحا...

قائد الطائرة أخبرنا قبل لحظات أن درجة الحرارة 29 تحت الصفر..

تسمرتُ في مقعدي عند سماع الخبر...أحسست بنوبة  زكام تريد أن تجتاحني.....

في بلادي أتجمد من البرد إن وصلت الحرارة 29 فوق الصفر....أما تحت الصفر فالامر يدعو للقلق...

وضعت رجلي على أول درجة من سلم الطائرة نزولا...

تجمدت ...تكلَّسَت عظامي...أدرتُ بصعوبة عيوني في رأسي..

رأيتُ أفواه المسافرين كأنها مداخن حطب في "كبّة المربط"

أو مدخني سجائر مارلبورو في "المقهى التونسي" بنواكشوط...

ضحكت من دماغيّ المتجمد ضحكة لم يسمعها غيري....

تذكرت جارتنا "اخديجه" ..

إنها الوحيدة  في حيّنا الشعبي المتلاصق التي لا تشعر بالبرد ولا تلتحف..

لأنها من أهل "اصكيع"...

كنا نراها في الليالي القارسة شتاء وهي تصب على رأسها "سيوة" من الماء...

وذات يوم سألتها ــ وأنا بطبعي فضولي ــ خالتي اخديجة  :

امنين انسافر شور الخارج اشتبغيني انجيبلك ؟

تضحك....تُردد خفية...امنين اتسافر؟ ...

جيبلِى ألاّ شنَّه امبرّدْ فيهَ المَ.....

تذكرت كل ذلك وأنا متجمد... كأنني "دجاج مستورد" قد انتهت صلاحيته....

 رجلي ما تزال على الدرجة الاولى من سلم الطائرة...

انتبهت على صراخ عجوز روسية تزاحمني... فهمت أنها تريد المرور...

تنحيت جانبا بصعوبة ...قفزتْ أمامي كما يتقافز "جديان التراد" فوق هيكل سيارة قديمة أكله الصدأ متوقفة أمام "كزرة أم لمنين"  ....

تحاملتُ على جانب السلم ونزلت بخطوات متثاقلة كخطوات جدتي رحمها الله التي كانت بسبب "جريمة لبلوح" تعجز رجلاها عن حمل جسمها ...

وصلتُ الى الحافلة التي كانت متوقفة عند نهاية سلم الطائرة...

تنفست الصعداء .....الحمد لله....الحافلة فيها "شوفاج حار" ...

دخلنا مبنى المطار...الجو أيضا معتدل وساخن بالداخل كما في الحافلة...

سرت مسافة طويلة تقترب من المسافة التي كنت أقطعها كل يوم أربع مرات بين الكبة والمدرسة الابتدائية رقم 7 بالقرب من "مرصة كبيتال"

وقفت في نهاية الطابور أمام مسؤول الجوازات...

لا مشكلة...كل الاوراق المطلوبة قانونية...

ناولته جواز سفري....ختمه بسرعة..لم يكلمني ولا كلمة واحدة.....كأنما هو حاكم مقاطعتنا السابق الذي أصبح الآن وزيرا ...كان عندما يكثر المراجعون على مكتبه...يخرج من بينهم دون أن يلتفت أو ينبس ببنت شفة....يستقل سيارته ويغادر المكان..

خلال يومين أو ثلاثة على الاراضي الروسية...بدأت أتأقلم مع طقس موسكو الجليدي...

زرت لكريملن وميتروالانفاق...تجولت في حدائق موسكو الرائعة ...المكسوة بطبقة بيضاء من الثلج تزيدها بهاء وجمالا...

ذات مساء...

بعد يوم حافل من التجوال والنزهة...

وأمام الموقد الغازي ..والمطر ينهمر بغزارة خارج غرفتي الصغيرة ..

كنت أتأمل عبر النافذة...

أقارن بين الحي الموسكوفي الشعبي الذي أسكنه..وأرقى الأحياء بعاصمتنا الفتية...وأتعجب!!

أحدٌ ما يطرق الباب طرقا خفيفا ....أفي مثل هذا الوقت؟..

فتحت...

فوجئتُ بشقراء روسية فاتنة..ألقتْ التحية بلغتها...كنت قد تعلمت كلمات قليلة من الروسية...رددت التحية..

استلقتْ على كرسي بجانبي...زاد استغرابي...كأنها بنت خالتي أو عمتي....

بدأتْ تحدثني بلغة انجليزية ركيكة...

تماما كإنجليزيتي....

آه ...انت ـ إذنْ ـ ابنة صاحب البيت؟

...نعم..

أَلك حبيبة في بلادك...سألتني؟

شقراء....زرقاء العيون....

بيضاء البشرة.....عمرها عشرون أو يزيد...

إسمها شيكونوفا...أو سوبونينا...

بلى...لديَّ حبيبة...

لكنها بين البياض والسمرة...

عيونها صافية صفاء العسل...

قلبها أبيض من اللبن...

جمالها يعجز عنه الواصفون...

عمرها عمر الخالدين...

إسمها (موريـــــــــتانـــــــا)

 

بقلم/ محمد محمود محمد الامين