سيدي الوزير..أناشدك الله..قُل لي أين أتجَّهِ !!(حكاية أغرب من الخيال)

أحد, 15/09/2019 - 13:51

 سيدي معالي الوزير، بعد التحية والسلام، أنا المواطن الموريتاني حمزة، من مواليد 31 دجمبر من العام 1993. ولدت وتربيت في أسرة محافظة، وأقرب إلى التواضع والبساطة.
كان أبي موظفا بسيطا ووالدتي هي من تتولى تربية الأبناء.
كنت أنا الوحيد من الذكور في أسرتي وأخ لثلاث بنات، تلقيت تعليمي الأول عند معلم القرآن وأنا في الثالثة من عمري، ولا أكاد حينها أفصح. بدأت في تعلم الحروف ثم الكتابة ثم بدأت في حفظ القرآن الكريم لأتوقف عند حفظ الربع الأول وأنا وقتها في ربيعي السادس. أدخلني والدي في المدرسة وتحديدا في الصف الثالث.
كنت دائما في هذه المرحلة من طفولتي أسأل والدتي لماذا جارنا يمتلك سيارة وأبي يذهب للعمل مشيا على الأقدام؟؟
فكانت تجيبني بـ(اصبر ياوليدي امنين تكبر انت أتگر ادور تشرين سيارة أتبنين دار) هي عبارات ظاهرها الشجاعة والصبر وباطنها فيه الانكسار والشفقة، لازال دبيب حميا تلك الكلمات التي تقطر إيمانا وصبرا يسري في ثنايا مخيلتي إلى يومنا هذا.
المهم أني واصلت تعليمي الابتدائي، وبعد ثلاث سنوات حصلت على شهادة ختم الدروس الابتدائية متصدرا لائحة الناجحين على المستوى الوطني. بعدها أعادني الوالد إلى المحظرة لأكمل حفظ القرآن الكريم ودراسة رسمه وتجويده، فاحتجت لذلك إلى أربع سنوات لأحصل على الإجازة في حفظ القرآن وعلومه!!
عدت بعد ذلك إلى التعليم النظامي وقد بلغت من العمر ثلاثة عشر ربيعا، كنت من أكثر تلامذة الفصل نجابة وفهما للدروس، كان والدي يقطر البشر من محياه ماء عندما يقرأ ملاحظات الأساتذة عني. فأنهيت التعليم الإعدادي وحصلت أيضا على شهادة ختم الدروس الإعدادية معيدا الكرة ثانيا بتصدري قائمة الناجحين وطنيا وأنا في ربيعي السابع عشر!! قررت مع والدي أن أرجع للمحظرة من جديد لأقرأ بعض المتون الفقهية التي يتعلم من خلالها المسلم ما أوجبه الله عليه في العبادة والمعاملات، فاستهوتني الدراسة المحظرية وطفقت أنهل من معينها الزلال أتجول بين حدائق المتون وخاصة ألفية ابن مالك وما ينثره على أديمها العلامة المختار ولد بونه من الورود الحمراء الجميلة، فكنت أستمتع بالتراشقات الجميلة التي تحصل بين عمرو بن عثمان "سيبويه" وأمير الكوفة أبي الحسن "الكسائي". جلست هناك خمس سنوات عدت بعدها إلى حضن أسرتي أحمل الإجازة في المسموعات والمرويات بخط يمين شيخي وأستاذي الذي شاع صيته وصارت أخباره موضوعا لأحاديث الركبان!!
قررت مواصلة دراستي النظامية فالتحقت بالتعليم الثانوي وطفقت أذرع مجاهيل العلوم التجريبية من خلال عويصات الفيزياء ومتشابهات الرياضيات ودقيقات الكيمياء والعلوم الطبيعية .

سحرتني تلك العلوم الجميلة فغبت أتبتل في محرابها أربعة أعوام كاملة، كان الطلبة يتحدثون عني داخل الحجرات الدراسية وبين الأزقة وفي ساحات المدارس.. كان الأساتذة ينظرون إلي باحترام تشوبه الحيرة، وأنا أسابقهم في حل المعادلات والمتتاليات... كنت خلال تلك الفترة قد بدأت في المطالعة والقراءة عن تاريخ الأمم والحضارات. قرأت عن شخصيات غيرت مجرى التاريخ، من بينها فلاسفة ومفكرون وقادة سياسيون..
كنت أحلم بكتابة إسمي على صفحات التاريخ عندما أكمل مسيرة التعليم التي بدأتها وما زلت أكابد من أجل إكمالها...
ومع ذلك كنت دائما أشكو لوالدي ضيق حالنا، فعرضت عليه في عديد المرات قطع دراستي والبحث عن العمل لمساعدته في سد بعض حاجياتنا، لكنه كان دائما يذكرني بأبيات الشيخ محمدو بن حمبل التي يقول فيها:
إن تقــولـــوا منعتنـــــــا درسه ° أزم الدهر والأعوام الشهب
قلت هل يحتال في درء العصا ° من أظلته الحسامات القضب.
كانت تلك الأبيات بمثابة الشحنة النفسية التي تدفعني إلى الأمام.
رغم ظروفنا المادية والنفسية شاركت في مسابقة الباكلوريا وأنا في عامي الخامس بعد العشرين .
لم تنكسر القاعدة أيضا فحل إسمي متصدرا قائمة الناجحين في شعبة الرياضيات، محطما كل ألأرقام القياسية التي سبقت مشاركتي في تلك المسابقة!!
كانت شهادة الباكلوريا بمثابة الغيمة الداكنة التي تحجب رؤية المستقبل الجميل، فانقشع الغيم ومرت العاصفة تحت الجسر، ظننتها ستنقشع عن مرحلة جديدة من الريادة عبر التحصيل العلمي، والأكاديمي، لكنها بدلا عن ذلك وضعت أمامي صورة لشاب في الخامسة والعشرين من عمره في اعتصام مع زملائه الطلاب أمام بوابة وزارتكم التي تعنى بالتعليم العالي، يستنشقون الدخان المسيل للدموع تحت الأحذية الخشنة تظلهم رجال "الأمن" بالضرب والتكسير دون شفقة ولا رحمة، بعد أن أغلقت الجامعات أمامهم الأبواب ..
أشر عليَّ معالي الوزير المحترم إلى أين أتجه؟!!

 

بقلم : التراد ولد صلاحي

 

 العنوان من اختيار (موقع الجواهر)