لقد عرفتُ أخيرا لماذا حاول والدي الانتحار!!

ثلاثاء, 23/04/2019 - 20:30

عندما وجَدتُ أبي فاقد الوعي على أرض الحمّام، لم أتخيّل للحظة واحدة أنّه حاول قتل نفسه، بل ظنَنتُ أنّه تعرَّضَ لنوبة ما أو لِدُوار أفقدَه توازنه.

 وحين أخبرَني طبيب المستشفى أنّ والدي شرِبَ سائلاً للتبيض، لم أصدّق أذنَيَّ! لماذا يفعل شيئًا كهذا ,فهو لم يكن يائسًا مِن الحياة... على الأقل حسب معرفتي.

دخَلتُ غرفته في المسشفى ووجَدتُ أمّي بالقرب منه تبكي بصمت, سألتُها بصوت خافت:

 

ـ كيف هو الآن؟

 

ـ لقد احترَقَت معدته وأوتاره الصوتيّة ولكنّهم أنقذوا حياته.

 

ـ أمّي... لماذا حاوَلَ أبي قتل نفسه, ممّ كان يشكو ,هل كان منهارًا أو تعبًا أو حزينًا؟

 

ـ أبدًا حبيبتي... لَم ألاحظ شيئًا ولا أفهم لماذا أقدم على عمل كهذا!

 

عندها استفاقَ والدي، نظَرَ إلينا بحزن وانهالَت الدموع على وجهه. ركضتُ أقبّله وأطَمئنُه بأنّنا بالقرب منه وأنّه سيكون بخير. هزّ رأسه وكأنّه لا يُريد أن يكون بخير ورأيتُ استياءَه لأنّه فشلَ بالانتحار.

دخلَت الممرّضة وطلَبَت منّا الخروج.

بقينا في المستشفى ساعات طويلة ندخل الغرفة تارة ونخرج منها تارة أخرى، ولكنّني لم أتبادل مع والدتي أكثر مِن بضع كلمات ضروريّة فكلتانا كنّا تحت وطأة الصدمة والمفاجأة.

وصَلَ أخي أخيرًا وانضمّ إلينا قائلاً :

 

ـ أريد أن أعرف ..مَن منكما دفَعَه إلى القيام بالانتحار!

 

لم أتحمّل هذا الاتّهام المباشَر من أخي فصرَختُ به:

 

ـ ما بكَ تأتينا متّهمًا؟ ومَن قال لكَ إنّ لنا أيّ دخل بالذي جرى؟ أو لأنّكَ بعيد عنّا تظنّ أنّ لكَ الحق باعطاء المواعظ؟ أصمت! ألا ترى بأيّة حالة نحن؟

 

سَكَتَ أخي وجلَسنا نحن الثلاثة بصمت رهيب.

أرادَت أمّي أن تنام في المستشفى، ولكنّ الطبيب منعَها مِن ذلك، وطلَبَ منّا أخذها إلى البيت والبقاء معها... وعادَ أخي إلى زوجته وأولاده.

وبعد أن نامَت والدتي أخيرًا، بدأتُ أفكّر بالاحتمالات الممكنة لتفسير الذي قام به أبي ولم تكن أيٌّ منها مقنعة. غصتُ في نوم عميق لم أستفق منه إلا عند الصباح.

 

كنتُ أودّ لو أنّ أخي بقيَ معنا، ولكنّه كان يعير أهميّة أكبر لزوجته وأولاده. لم يكن هكذا قبل الزواج، بل كان محبًّا ويُشاطرنا كلّ شيء، ولو كانت زوجته تقدّر شوقنا إليه وحاجتنا إلى وجوده مِن وقت لآخر، لحمَلَته على زيارتنا حتى لو لم يكن يُريد ذلك، فمِن المعلوم أنّ للمرأة تأثيراً كبيراً على زوجها في ما يخصّ أهله. أخَذتُ أمّي إلى المستشفى وقصَدتُ عملي لبضع ساعات، ومِن ثمّ مرَرتُ بالبيت لجلب بعض الحاجيّات لوالدتي التي كانت ستبقى حتى المساء إلى جانب أبي.

 

وخَطَرَ ببالي أن أبحث في أغراض والدي لعلّي أجد ما يُفسّر ما فعلَه بنفسه.. فتَحتُ الخزانات والأدراج، وراجعتُ أوراقه كلّها مِن دون نتيجة، فقد كان أبي كأيّ رجل آخر.

وقبل أن أخرج مِن المنزل، تذكَّرتُ أنّني لم أتفحّص هاتفه، الأمر الذي كان يجدر بي عمله أوّلاً... وفوجئتُ بمحتواه. كان والدي يتصل بشخص اسمه فريد بشكل منتظم، وعندما بحَثتُ عن رسائل لم أجد شيئًا فاستنتجتُ أنّه حَذَفَها.. مَن كان ذلك الرجل الذي كان يتكلّم مع أبي يوميًّا مرّات عدّة ؟ ولمعرفة الجواب، نقَرتُ على الرقم المذكور وإذ بامرأة تجيب وتقول مِن دون مقدّمة:

 

ـ أين أنتَ يا سمير؟!؟ إنشغَلَ بالي عليكَ! هل أنتَ بخير؟

 

ـ أنا ابنته.

 

سكَتت المرأة وخفتُ أن تقفل الخط فتابعتُ:

 

ـ إنّه في المستشفى... حاوَلَ الانتحار.

 

ـ يا إلهي! وكيف هي حاله الآن؟!؟ بأيّ مستشفى هو؟

 

ـ لن أقول لكِ قبل أن أعرف مَن أنتِ.

 

ـ أنا... زميلة له في العمل.

 

ـ ما اسمكِ؟

 

ـ فريدة... إسمي فريدة. قولي لي كيف هو؟

 

ـ لقد شرِبَ مبيداً حشريّاً وأُصيبَت حنجرته ومعدته بأذى كبير.

 

ـ ولكنّه لا يزال حيًّا وهذا ما يهمّ.

 

ـ إسمعي يا فريدة... لا أصدّق للحظة أنّكِ مجرّد زميلة لأبي وإلا لما سجَّلكِ على هاتفه تحت اسم" فريد"... هذا يعني أنّه أراد اخفاء وجودكِ عنّا وبالأخصّ عن أمّي... أظنّ أنّكِ مدينة لنا بتفسير... هل حاوَلَ أبي قتل نفسه بسببكِ؟

 

ـ أنتِ مخطئة... علاقتي بسمير علاقة زمالة وحسب و...

 

ـ كفى! لستُ غبيّة!... أريد أن أعرف ما حصل، والآن!

 

ـ حسنًا... أنا زوجة أبيكِ.

 

ـ ماذا؟!؟ أبي تزوَّجَ على أمّي؟ متى حصَلَ ذلك؟!؟ هل سئمَ مِن أمّي واختاركِ لشبابكِ كما يفعل الكثير مِن الرجال؟ يا لجنسهم الغريب

 

ـ لا! لستُ شابة بل مِن سنّ والدتكِ ولدَيَّ ابن بسنّكِ.

 

ـ لا أفهم!... ما الذي دفَعَه إلى الزواج منكِ إذًا؟

 

ـ في مرحلة معيّنة مِن حياته كان يكنّ لي عاطفة خاصة.

 

ـ أنتِ كاذبة! أبي يُحبّ أمّي!

 

ـ هذا صحيح... وسأقول لكِ ما حصَل... وأظنّ أنّ ما قام به والدكِ سببه........

يتبع ان شاء الله...